اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

وداعا لـ"الطب" و"الهندسة".. كيف أصبحت المجالات الرقمية حلم طلبة "التوجيهي"؟

وداعا لـالطب والهندسة.. كيف أصبحت المجالات الرقمية حلم طلبة التوجيهي؟
أخبارنا :  

غادة الشيخ

عمان - لسنوات طويلة كان سؤال طلبة الثانوية العامة "شو بدك تدرس بعد التوجيهي؟"، يحمل إجابة تكاد تكون محسومة عندهم إما طب أو هندسة، لكن مع كل مرة تعلن فيها نتائج "التوجيهي" من كل عام، بدأت خريطة أحلام الطلبة تتغير، إذ يتجه عدد متزايد منهم نحو تخصصات الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات، مدفوعين بما يسمعونه عن وظائف المستقبل، والرواتب المرتفعة، والطلب المتزايد على هذه المجالات في الأردن وخارجه.

 


ولا يعني ذلك، أن بريق الطب والهندسة قد انطفأ، لكنه لم يعد الخيار الوحيد الذي تتطلع إليه الأسر، في ظل ما فرضته التحولات الرقمية على سوق العمل من واقع مختلف كليا عما كان عليه الأمر قبل نحو عقد من الزمن، بل وأعادت هذه التحولات رسم خريطة التخصصات الأكثر طلبا.

تشير تقديرات المنتدى الاقتصادي العالمي، إلى أن الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة، إلى جانب الأمن السيبراني، ستكون من بين أسرع المهارات نموًا في السنوات المقبلة، مع توقعات بخلق ملايين الوظائف المرتبطة بالتكنولوجيا بحلول العام 2030، مقابل تراجع الطلب على وظائف تقليدية نتيجة الأتمتة والتحول الرقمي.

ويؤكد خبراء في قطاع التكنولوجيا على صفحاتهم على موقع التواصل الاجتماعي، أن هذا التحول انعكس على نحو واضح على اهتمامات طلبة الثانوية العامة، الذين باتوا يربطون اختيار التخصص بفرص العمل المستقبلية، أكثر من ارتباطه بالمكانة الاجتماعية التي ارتبطت لعقود بالطب والهندسة.

كما يؤكدون أن الأمن السيبراني أصبح من أسرع القطاعات نموًا في العالم، مع تزايد الهجمات الإلكترونية واعتماد المؤسسات على الخدمات الرقمية، ما رفع الطلب على الكفاءات القادرة على حماية الأنظمة والبيانات، بينما أصبح الذكاء الاصطناعي جزءًا من القطاعات الاقتصادية، بدءًا من الرعاية الصحية والتعليم، وصولًا إلى الصناعة والخدمات المالية والإعلام.

في المقابل، يؤكدون أن الحديث عن نهاية عصر الطب أو الهندسة غير دقيق، فهذه التخصصات ما تزال من الركائز الأساسية لأي اقتصاد، لكنها تشهد تغيرًا في طبيعة العمل، إذ أصبح الطبيب يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي في التشخيص وتحليل الصور الطبية، بينما يعتمد المهندس على البرمجيات المتقدمة، والنمذجة الرقمية، وتحليل البيانات، ما يعني أن المستقبل سيكون للتكامل بين التخصصات التقليدية والمهارات الرقمية.

وفي ظل هذا المشهد، تبدو أحلام طلبة الثانوية العامة، أكثر تنوعًا من أي وقت مضى، فلم يعد السؤال يدور حول اختيار "الكلية المرموقة"، بقدر ما أصبح يدور حول اختيار التخصص الذي يواكب المستقبل، ويوفر فرصة للتطور المهني في عالم يتغير بوتيرة غير مسبوقة.

يقول الطالب خالد بركات والذي هو على أعتاب استقبال نتيجته في امتحانات "التوجيهي" إنه منذ بداية المرحلة الثانوية، "كنت مقتنعًا أن الهندسة ستكون خياري الأول، فمعظم أفراد عائلتي مهندسون، لكن مع الوقت بدأت أتابع أخبار التكنولوجيا، وأقرأ عن الأمن السيبراني والهجمات الإلكترونية، ولاحظت حجم الطلب على هذا المجال في الأردن وخارجه".

وأضاف بركات "عندما بحثت أكثر، اكتشفت أن الشركات أصبحت تستثمر على نحو كبير في حماية بياناتها، وأن الحاجة إلى مختصي الأمن السيبراني تتزايد باستمرار"، مشيرا إلى أنه شعر بأن هذا التخصص يمنحني فرصة لبناء مستقبل مهني متجدد، وأنه يجمع بين شغفه بالتكنولوجيا وفرص العمل الواعدة.

وأضاف "بالنسبة لي، لم يعد اختيار التخصص مرتبطا باسمه أو مكانته الاجتماعية، وإنما بقدرته على توفير فرصة للتطور والاستقرار المهني".

"كنت أحلم منذ الصغر بدراسة الطب، لكن مع اقترابي من إنهاء الثانوية، بدأت أتابع التطورات الكبيرة في الذكاء الاصطناعي، ولاحظت أنه أصبح يدخل في التعليم والطب والهندسة والإعلام وحتى الأعمال اليومية"، تقول الطالبة نهى سلامة، مضيفة أن "هذا الأمر جعلني أعيد التفكير في اختياري، لأنني شعرت بأن المستقبل، سيكون لمن يستطيع تطوير هذه التقنيات وليس فقط استخدامها".

وتضيف سلامة "لذلك أصبحت أميل إلى دراسة الذكاء الاصطناعي، مع أن القرار لم يكن سهلًا بالنسبة لعائلتي التي كانت تتمنى أن أدرس الطب"، وقالت "أعتقد بأن جيلي ينظر إلى التخصصات بطريقة مختلفة؛ نحن نفكر في المهارات التي سنحتاجها بعد عشر سنوات، وليس فقط في الوظيفة الأولى بعد التخرج".

وينوه أستاذ الإعلام الرقمي المشارك في جامعة الشرق الأوسط د. محمود الرجبي أنه لم يعد اختيار التخصص الجامعي محصورا في الحلم التقليدي بدراسة الطب أو الهندسة؛ فقد أوجد التحول الرقمي جيلا جديدا من التخصصات الواعدة، في مقدمتها الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات.

ولا يعني هذا التحول كما يضيف الرجبي، تراجع أهمية الطب والهندسة، أو الاستغناء عنهما، بل يعكس أمرين اثنين، الأول هو الإشباع الكبير في السوق الأردني لهذين التخصصين، والثاني اتساع الخيارات في هذه المجالات التقنية والقصص الملهمة التي تصل للشباب عن أشخاص في مثل سنهم، حققوا نجاحات وقفزات لا يمكن تحققها في الأوضاع غير الرقمية في سنوات طويلة جدا.

ويعتقد الرجبي بأنه ينبغي ألا يتحول الإقبال على التخصصات الرقمية، إلى موضة جديدة أو استجابة لضغط الأسرة، فالاختيار السليم يجب أن يجمع بين قدرات الطالب وميوله وفرص العمل الحقيقية.

في المقابل، تتحمل الجامعات مسؤولية تحديث خططها الدراسية، وربط المعرفة النظرية بالتطبيق العملي والأخلاقيات والمهارات الإنسانية، بدل الاكتفاء بتغيير أسماء البرامج. مشيرا إلى أن تخصص المستقبل ليس الأكثر رواجا حاليا، بل التخصص الذي يستطيع الطالب أن يبدع فيه ويطور أدواته باستمرار، ويحول معرفته إلى قيمة حقيقية للمجتمع.

ويقول "وهذا ما أقوله دائما لطلبة عندما يسألونني أي التخصصات أفضل، فأقول: أنت الأفضل، أي قدراتك، شغفك، ميولك هي التي تحدد نجاحك في الـمستقبل، وهذا ما يجب وضعه بعين الاعتبار عند اختيار التخصص".

ويرى الخبير التقني مروان العمري، أنه وفي السنوات الأخيرة، أصبحنا نلاحظ تغيرًا واضحًا في اهتمامات طلبة الثانوية العامة، فبعد أن كانت الغالبية تتجه تلقائيًا نحو الطب أو الهندسة، أصبح كثير منهم يبحث عن تخصصات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني وتحليل البيانات.

هذا التحول كما يوضح العمري، يعكس إدراكا متزايدا بأن الاقتصاد العالمي، يتجه نحو الرقمنة، وأن معظم القطاعات ستحتاج إلى كوادر تمتلك مهارات تقنية متقدمة، منوها إلى أنه في المقابل، من المهم ألا يعتقد الطلبة بأن مجرد الالتحاق بهذه التخصصات يضمن لهم وظيفة بعد التخرج.

فالمنافسة أصبحت تعتمد على المهارات العملية، والشهادات الاحترافية، والخبرة، والقدرة على التعلم المستمر، لافتا إلى أن الذكاء الاصطناعي يتطور بوتيرة متسارعة، ومن لا يطور نفسه باستمرار قد يجد نفسه خارج المنافسة خلال سنوات قليلة.

ــ الغد


مواضيع قد تهمك