م. وائل سامي السماعين : القضاء العشائري الأردني .. يعزز السلم المجتمعي ولا يحل محل القضاء
أثارت جريمة مقتل الشابة نور برغل صدمة واسعة في الشارع الأردني، وأعادت إلى الواجهة العديد من الأسئلة المتعلقة بالسلامة المجتمعية، وآليات التوعية، ودور الجهات المختصة في حماية المجتمع، إلى جانب أهمية المحافظة على الإرث العشائري الأردني الذي أسهم عبر عقود طويلة في احتواء الأزمات ومنع اتساع دائرة العنف.
وبعيداً عن تفاصيل القضية التي يبقى الفصل فيها للقضاء وحده، فإن ما حدث يدفعنا إلى الوقوف أمام مجموعة من القضايا التي تستحق نقاشاً وطنياً مسؤولاً، بعيداً عن الانفعال أو إصدار الأحكام المسبقة.
من هذه القضايا أهمية تعزيز الوعي المجتمعي، خاصة لدى الأسر والشباب، حول مخاطر الانخراط في علاقات أو تواصل مع أشخاص قد يكونون متورطين في سلوك إجرامي أو مطلوبين للعدالة. فالتوعية ليست تقييداً للحريات، وإنما وسيلة لحماية الأبناء والبنات من الوقوع ضحايا لظروف أو أشخاص قد يشكلون خطراً عليهم.
كما يبرز تساؤل مشروع حول مدى الحاجة إلى تطوير آليات توعية المجتمع بالمخاطر الأمنية، بما يتوافق مع القانون ويحفظ حقوق الأفراد، وبما يساعد المواطنين على تجنب المخاطر والتعاون مع الأجهزة الأمنية في الإبلاغ عن المطلوبين أو من يشكلون تهديداً للمجتمع، دون الإخلال بسرية التحقيقات أو قرينة البراءة التي يكفلها القانون.
وفي خضم هذه الأحداث، برزت مرة أخرى صورة مشرقة من صور المجتمع الأردني، تتمثل في القضاء العشائري والعادات العشائرية الأصيلة. فالكثيرون يجهلون أن العطوات والجاهات والصلحات العشائرية لم تُنشأ يوماً لتبرئة الجاني أو تعطيل العدالة، وإنما وجدت لحماية المجتمع من الانزلاق إلى دائرة الثأر والانتقام، ولإعطاء الفرصة لتهدئة النفوس، وحماية الأرواح والممتلكات، والحفاظ على السلم الأهلي إلى أن يأخذ القضاء النظامي مجراه.
إن العطوة العشائرية، وخاصة في قضايا القتل، تمثل اتفاقاً مؤقتاً على وقف أي ردود فعل قد تؤدي إلى اتساع دائرة النزاع، وهي تعكس مستوى راقياً من المسؤولية الاجتماعية التي تميز بها المجتمع الأردني عبر تاريخه. فالعشائر الأردنية كانت دائماً تدرك أن الغضب لا يبني عدالة، وأن احتواء الأزمة في ساعاتها الأولى يمنع وقوع ضحايا جدد، ويحافظ على أمن المجتمع.
ومن هنا، فإن القضاء العشائري الأردني لا ينبغي النظر إليه باعتباره بديلاً عن القضاء النظامي، بل هو شريك في حفظ السلم المجتمعي. فالفصل في الجريمة، وإثبات المسؤولية، وإصدار الأحكام، وتنفيذ العقوبات، كلها اختصاصات حصرية للقضاء والدولة. أما الدور العشائري، فهو دور إنساني واجتماعي يهدف إلى رأب الصدع، وتهدئة النفوس، ومنع انتقال الجريمة إلى نزاعات أوسع قد تمتد بين العائلات أو العشائر.
لقد أثبتت التجربة الأردنية، على مدى عقود، أن اجتماع هيبة الدولة مع حكمة العشيرة شكّل نموذجاً فريداً في إدارة الأزمات المجتمعية. فالدولة تطبق القانون بعدالة، والعشيرة تسهم في حفظ النسيج الاجتماعي، وكل منهما يؤدي دوره دون أن ينتقص من دور الآخر.
إن الدرس الأهم الذي ينبغي أن نستخلصه من مثل هذه القضايا هو أن الوقاية تبدأ بالوعي، وأن حماية الأبناء مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمدرسة والمجتمع والإعلام، وأن سيادة القانون هي الضمانة الأساسية لتحقيق العدالة، بينما تبقى القيم العشائرية الأردنية الأصيلة رافداً وطنياً مهماً لترسيخ التسامح، واحتواء الأزمات، ومنع الفتن، والحفاظ على وحدة المجتمع.
رحم الله الضحية، وألهم أهلها الصبر والسلوان، وحفظ الأردن وطناً آمناً مستقراً، يجمع بين قوة القانون، وحكمة القضاء، وأصالة العادات العشائرية التي كانت وما زالت عنواناً للتكافل والسلم المجتمعي.