اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

د. حمد الكساسبة : السكك الحديدية وحماية حقوق الملكية

د. حمد الكساسبة : السكك الحديدية وحماية حقوق الملكية
أخبارنا :  

يمثّل تطوير شبكة السكك الحديدية خطوةً استراتيجيةً لدعم الاقتصاد الوطني، وربط الموانئ ومناطق الإنتاج والتعدين والأسواق، وخفض كلف النقل، وتعزيز موقع الأردن اللوجستي. ويتطلّب نجاح هذا المشروع إطاراً قانونيّاً واضحاً يسهّل تنفيذه، ويحفظ في الوقت نفسه حقوق أصحاب الأراضي التي قد تمرّ عبرها مسارات السكك الحديدية.


وتبرز في هذا السياق المادة الثانية من مشروع القانون المعدّل لقانون الملكية العقارية، التي أضافت «سكك الحديد» إلى تعريف الطريق. ورغم أن هذه الإضافة ذات طابعٍ تنظيميٍّ، فإن أثرها قد يمتدّ إلى الأحكام القانونية المرتبطة بالطريق والاستملاك، نظراً إلى أن نصوص القانون تُقرأ بصورةٍ مترابطةٍ، ولا تتوقّف آثار التعريفات عند معناها اللغوي المباشر.


وتتمثّل المسألة الأساسية في أن قانون الملكية العقارية يجيز، ضمن حالاتٍ وشروطٍ محدّدةٍ، اقتطاع ما لا يزيد على ربع مساحة العقار لغايات إنشاء الطريق دون تعويضٍ عن المساحة الواقعة ضمن هذا الحد. ولذلك، فإن إدراج السكك الحديدية ضمن تعريف الطريق يثير تساؤلاً قانونيّاً حول مدى انطباق حكم «الربع القانوني» على الأراضي اللازمة لإنشائها، وهو ما يستدعي توضيحه بنصٍّ صريحٍ.


ولا تتطابق طبيعة السكة الحديدية مع طبيعة الطريق العام من حيث أثر كلٍّ منهما في العقار. فالطريق قد يمنح الأرض واجهةً جديدةً، ويحسّن الوصول إليها، ويرفع قيمتها التجارية أو التنظيمية، بما قد يحقّق منفعةً مباشرةً للجزء المتبقّي منها، وهو الأساس الذي ارتبطت به فكرة الربع القانوني في حالات الطرق.


أمّا السكة الحديدية، فتكون غالباً ممرّاً مغلقاً أو محدود الاستخدام، ولا تمنح مالك الأرض حقّ الوصول المباشر إليها. وقد تؤدي إلى تقسيم العقار، أو صعوبة الانتقال بين أجزائه، أو فرض حرمٍ وقيودٍ تتعلّق بالبناء والاستعمال والسلامة، كما قد يترتّب عليها انخفاض قيمة الجزء المتبقّي بدلاً من ارتفاعها.


وتحقّق السكك الحديدية منفعةً عامةً للدولة والاقتصاد والمجتمع، غير أن هذه المنفعة العامة لا تعني بالضرورة تحقّق منفعةٍ عقاريةٍ مباشرةٍ لمالك الأرض تعادل قيمة الجزء المقتطع منها. ولذلك، فإن وضع قواعد واضحةٍ وعادلةٍ للتعويض يعزّز الثقة بالمشروع، ويسهم في تسريع تنفيذه، ويحدّ من النزاعات التي قد تنشأ حول الاستملاك وتقدير الأضرار.


وتنصّ المادة 11 من الدستور الأردني على أنه لا يُستملك ملك أحدٍ إلا للمنفعة العامة وفي مقابل تعويضٍ عادلٍ حسبما يعيّن في القانون. ويمكن ترجمة هذا المبدأ من خلال النص على تعويض مالك الأرض عن كامل المساحة المستملكة لغايات السكك الحديدية، إضافةً إلى الضرر المباشر الذي قد يصيب الجزء المتبقّي، مثل التجزئة، أو صعوبة الوصول، أو انخفاض القيمة.


ويمكن، إلى جانب التعويض النقدي، إتاحة بدائل يختار منها المالك، مثل الأرض البديلة، أو السندات المضمونة، أو الأسهم في الشركة المنفّذة للمشروع. وقد يشكّل التعويض بالأسهم خياراً اقتصاديّاً مفيداً؛ لأنه يتيح للمالك المشاركة في العوائد المستقبلية للمشروع، على أن يبقى هذا الخيار طوعيّاً، وأن يستند إلى تقييمٍ مستقلٍّ وعادلٍ للأرض، مع احتفاظ المالك بحقه في اختيار التعويض النقدي الكامل.


ويمكن تنظيم التعويض وآليات أدائه ضمن الترتيبات المالية للمشروع وعلى مراحل تنفيذه، بما يحفظ استدامته المالية وحقوق المالكين معاً.


وفي المرحلة التشريعية المقبلة، تتاح أمام مجلس الأعيان فرصةٌ لتعزيز وضوح المادة الثانية، من خلال إضافة نصٍّ يستثني السكك الحديدية من أحكام الاقتطاع دون تعويض، أو يضع لها أحكاماً خاصةً تضمن التعويض العادل عن كامل المساحة المستملكة والأضرار اللاحقة بالعقار. وبهذا يتحقّق التوازن بين تنفيذ مشروعٍ وطنيٍّ مهمٍّ، وحماية حق الملكية، وترسيخ الثقة والعدالة في المشروعات الكبرى.


مواضيع قد تهمك