لما جمال العبسة : الخنق الصامت في فلسطين
لم يعد مشهد التهجير القسري واعتداءات جيش الاحتلال الصهيوني وقطعان المستوطنين في الضفة الغربية قادرا على ايجاد مكان له في خضم ما يحدث في المنطقة والحرب الامريكية الصهيونية على ايران، والتي باتت فرصة ممتازة لحكومة الفاشي بنيامين نتن ياهو المتطرفة لتنفيذ اجندتها المتمثلة في توسيع جغرافية دولتهم المزعومة في اراضي فلسطين التاريخية تحديدا في الضفة، بعد ان تمكنت من توسيع رقعة احتلالها لقطاع غزة الى ما يقارب 75 %، وحشر اهالي القطاع غربا في مساحة ضيقه فإما البحر وإما المغادرة، وهذا ما تنتهجه في مدينة القدس التي نجحت في تقسيمها مكانا وزمانا وممارستها لاسوأ انواع الضغط على المقدسيين، فيما عاثت في اراضي الضفة الغربية؛ قتلت وهدمت وهجرت سكان مخيمات وقرى، عدا عن استعانتها بمستوطنيها الهمجيين للاستيلاء على المقدرات الفلسطينية.
السياسة التي تنتهجها الحكومة الصهيونية الحالية في الضفة الغربية وقطاع غزة والمدينة المقدسة هي جزء من مشروع متكامل لإفراغ الأرض من سكانها عبر أدوات غير عسكرية، لكنها أكثر قسوة من الحرب المباشرة، وفي غفلة عن العالم وضمن سيطرتها على ادارة اموال السلطة الفلسطينية تتفاقم يوميا أزمة المحروقات هناك، والتي شلت الحياة اليومية لاهالي الضفة الغربية؛ فهي ليست مجرد خلل اقتصادي، بل وسيلة ضغط لإجبار الناس على الاستسلام أو الرحيل، اما الاعتداءات على حقول القمح والشعير، وحرق المحاصيل وسرقتها، فتكشف عن رغبة في ضرب الأمن الغذائي الفلسطيني، وتحويل لقمة العيش إلى أداة ابتزاز، فيما لم تغفل عن ضرورة تجهيل الشعب الفلسطيني الاكثر تعلما في العالم، ليدخل التعليم ضمن دائرة الاستهداف عبر حرمان الأطفال من الكتب المدرسية من الصف الاول الى الصف الرابع، وتجبرهم على الاعتماد على أتمتة شكلية لا يملك الأهالي القدرة على مواكبتها؛ ما يعني صناعة جيل محروم من أدوات المعرفة الأساسية.
هذه السياسات لا يمكن قراءتها بمعزل عن السياق الإقليمي الأوسع، فبينما ينشغل العالم بأحداث المنطقة، تُستغل الفوضى من قبل هؤلاء النازيين لتكثيف الضغط على الفلسطينيين في الضفة وغزة والقدس، وكأن الهدف هو تمرير مشروع الإخلاء تحت غطاء الانشغال الدولي، وهنا تتضح الصورة.. أدوات الطاقة والغذاء والتعليم تتحول إلى أسلحة صامتة، لكنها أكثر فتكاً لأنها تضرب البنية التحتية للمجتمع وتضعف قدرته على الصمود.
ما يحدث اليوم ليس مجرد سلسلة أزمات منفصلة، بل سياسة ممنهجة تسير وفق نهج حكومة نازية ترى في الفلسطينيين عقبة يجب إزالتها، وفي ظل هذا المشهد، يصبح من الضروري الالتفات إلى فلسطين؛ لأن ما يجري هناك ليس قضية محلية، بل جزء من معركة أوسع على الهوية والوجود، معركة تُخاض في الظل بينما تُسلَّط الأضواء على الحرب على إيران.
وبالرغم من محاولات ابقاء المنطقة في حالة فوضى وايهامها بان أمنها يأتي من الولايات المتحدة الامريكية وان السلام لن يعم الا بفرض دولة الكيان الصهيوني المزعومة على الدول العربية، الا انه من المؤكد ان المنطقة برمتها لن تهدأ إلا بسلام عادل في فلسطين، سلام لا يحرم أهلها حقهم في العيش في وطنهم، ولا يتركهم رهائن لسياسات الخنق والإخلاء، فالمعادلة واضحة.. استمرار الاحتلال وسياساته المتطرفة يعني استمرار الفوضى الإقليمية، أما الاعتراف بحق الفلسطينيين في أرضهم وكرامتهم فهو الشرط الوحيد لاستقرار المنطقة، إن سلطات الإحتلال الصهيوني تسابق الزمن للوصول إلى هدفها، لكن التاريخ يثبت أن الشعوب لا تُمحى، وأن محاولات التهجير والتجهيل والخنق الاقتصادي لن تنجح في إلغاء حق أصيل في الأرض والوجود.