اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

المحامي حمود سليمان الطراونة : حين يُستبدل يقين الدستور باحتمال التفسير، تصبح الرقابة الدستورية واجبًا لا خيارًا

المحامي حمود سليمان الطراونة : حين يُستبدل يقين الدستور باحتمال التفسير، تصبح الرقابة الدستورية واجبًا لا خيارًا
أخبارنا :  

ليس ثمة حق أولى بالحماية من حق الملكية الخاصة، فهو من الحقوق التي أحاطها الدستور الأردني بضمانة صريحة لا تقبل الانتقاص ولا الالتفاف، فجاء نص المادة (11) من الدستور حاسمًا لا لبس فيه، إذ قرر أن: «لا يُستملك ملك أحد إلا للمنفعة العامة وفي مقابل تعويض عادل حسبما يعين في القانون.» ولم يرد هذا النص على سبيل التوجيه، وإنما ورد بصيغة الإلزام، فجعل التعويض العادل قيدًا دستوريًا على كل استملاك، وركنًا لا يقوم بدونه.


ومن هذا المنطلق، يثور التساؤل المشروع حول الأثر القانوني المترتب على إدراج عبارة «السكك الحديدية» ضمن تعريف «الطرق» في قانون الملكية العقارية، إذا كان هذا الإدراج يفضي إلى إخضاع الأراضي اللازمة لمشروعات السكك الحديدية لأحكام الربع القانوني، بما يؤدي إلى عدم تعويض مالك الأرض عن الجزء المقتطع.


إن جوهر الإشكالية لا يكمن في إدراج السكك الحديدية ضمن تعريف الطرق، فسلطة المشرع في تنظيم المفاهيم القانونية أمر لا خلاف عليه، وإنما يكمن في النتائج القانونية التي قد تترتب على هذا الإدراج، متى مست ضمانة دستورية مقررة بنص صريح. فالتعريف التشريعي لا يملك أن ينشئ استثناءً على حكم دستوري، ولا أن يفرغ الضمانة الدستورية من مضمونها العملي، وإلا أصبح النص الأدنى مرتبة قيدًا على النص الأعلى، وهو ما يتعارض مع مبدأ سمو الدستور وتدرج القواعد القانونية.


إن القول بحرمان المالك من التعويض عن جزء من ملكه المستملك استنادًا إلى أحكام الربع القانوني، بعد شمول السكك الحديدية بتعريف الطرق، يثير شبهة دستورية جدية تستوجب الوقوف عندها، لأن الدستور لم يقل: «لا يُستملك ملك أحد إلا للمنفعة العامة»، بل أضاف إليها قيدًا ملازمًا لا ينفك عنها، وهو «وفي مقابل تعويض عادل». وهذه العبارة ليست لفظًا زائدًا، وإنما هي مناط المشروعية الدستورية للاستـملاك، وبدونها يغدو النص القانوني محل تساؤل في مدى اتفاقه مع الوثيقة الدستورية.


وقد استقر الفقه الدستوري على أن النصوص التي تقيد الحقوق والحريات لا يجوز التوسع في تفسيرها، وأن القياس عليها محظور، وأن أي شك في مدى توافقها مع الدستور يفسر لمصلحة الحق الدستوري لا لمصلحة القيد الوارد عليه. كما أن المبادئ القضائية المستقرة في قضاء محكمة التمييز الأردنية أكدت أن حماية الملكية الخاصة من المبادئ الراسخة، وأن أحكام الاستملاك تُفسر في أضيق نطاق، لأنها تمثل استثناءً على أصل دستوري ثابت.


ومن ثم، فإن أي نزاع يثار بشأن تطبيق هذه الأحكام يظل خاضعًا للرقابة الدستورية، ويملك صاحب المصلحة أن يتمسك بالدفع بعدم دستورية النص الواجب التطبيق أمام المحكمة المختصة، فإذا قدرت المحكمة جدية الدفع ولزومه للفصل في النزاع، سلك طريقه إلى المحكمة الدستورية وفق الآلية التي رسمها الدستور وقانون المحكمة الدستورية، لتقول كلمتها في مدى اتفاق النص مع أحكام المادة (11) من الدستور.


فالدستور ليس وثيقة تُقرأ عند افتتاح الدورات التشريعية، وإنما هو المرجع الأعلى الذي تُعرض عليه النصوص جميعها، فما وافقه بقي، وما خالفه سقط. أما التعويض العادل فليس منحة تشريعية، ولا ترفًا قانونيًا، بل هو حق دستوري أصيل، وقيدٌ جوهري على سلطة الاستملاك، لا يجوز الالتفاف عليه بتوسيع التعريفات، ولا بإضفاء أوصاف قانونية تفضي إلى النتيجة ذاتها. فحيث يوجد استملاك، يوجد تعويض، وحيث ينتقص التعويض، تبدأ ولاية الرقابة الدستورية. دمتم ودامت الاردن ودام شعبها وقيادتها الهاشمية .



مواضيع قد تهمك