أ.د. هيثم العقيلي المقابلة : الاحقية التاريخية لبلاد الشام والهلال الخصيب
في سلسلة المقالات القادمة ساستعرض الرأي العلمي المبني على الحمض النووي و الابحاث المنشورة في مجلات عالمية لاجيب على سؤال من هم اصحاب الاحقية التاريخية ببلاد الشام وباقي الهلال الخصيب. لكن ذلك يهدف لتمحيص التاريخ مع قناعتنا بحقائق الواقع اليوم القائمة على أن الدولة الوطنية هي الوعاء الذي جمع كافة الهويات الفرعية و اكتسب الشرعية الدولية و تشكيل الدول الوطنية حدث في نفس الفترة الزمنية قبل و بعد الحرب العالمية الاولى تطبيقا عمليا لمعاهدة وستفاليا. بالتالي الدولة الوطنية هي المظلة الحقيقية التي نؤمن بها جميعا و بغض النظر عن نوايا الدول العظمى في حينه لكنها اصبحت الشرعية الحقيقية.
العروبة لسان (لغة) و ثقافة و تاريخ مشترك و بالتالي هي تجمع كل من يرى نفسه عربي بغض النظر عن العرقية.
العرقية تعني كل الافراد الذين انحدروا في مرحلة ما من التاريخ من اب و ام واحدة و شكلوا شعبا او شعوبا متلازمة في الدم.
نحن في منطقة من العالم ما زالت الاسئلة الثقافية فيها حائرة و تستخدم العرقيات لاثبات الحق التاريخي في المنطقة مدخلا للتوسع و النفوذ و تهميش الاخرين. لذلك مع الايمان بالدولة الوطنية و العروبة و روابط الدين فإن نقاش السردية التاريخية ليس لتهميش الاخرين و لكن لمواجهة اي رواية تدعي الاحقية التاريخية.
اعتمدت الاحقية التاريخية في منطقتنا على روايات متناقلة شفهيا و كتابيا غالبيتها لا يملك الادلة التاريخية لذلك يحدث تطويع لهذه الروايات و ربط للاثار المادية لتعزز هذه الروايات و ادعاء احقية تاريخية لتأكيد ان من سكن هنا او هناك اولا عبر التاريخ صاحب الحق التاريخي. رغم ان هذا منهج اقصائي لكنه واقع في منطقتنا عانينا و نعاني منه و اتخذ سببا لتغيرات سياسية و حروب و توسع و الغاء و تحريف للتاريخ.
مع ظهور الفحص الجيني و تحديدا المجموعات الفردانية (haplotype) اصبح ممكنا تحديد من سكن و كيف انتقل لالاف السنين خصوصا عند مقارنة الفحوص الجينية مع الحمض النووي للرفات التي توجد هنا او هناك.
يعتمد الهابولوتايب على ان الكروموسوم الابوي يحتفظ بكافة الطفرات التي تحدث عبر الاجيال و تنتقل من جيل الى جيل دون تغيير. بالتالي اصبح ممكنا تحديد العرقيات المختلفة حتى لو انتقل الافراد الى مناطق سكن لعرقيات اخرى.
اي انني لو انتقل الى الصين و تزوجت صينية فان شكل ابنائي بعد عدة اجيال سيشبه الصينيين لكن الحمض النووي على الكروموسوم الابوي سيبقى ثابتا وفق عرقيتي الاصلية و هذا ما يميز بين نوعين من فحوص الاحماض النووية الاول الابوي لتحديد الاعراق و الثاني الاتوسومال لتحديد الاختلاط و ليس الاعراق.
العرب هم على التحور الجيني (j1-p58) اي ان كل من يحمل هذا التحور هو عرقيا عربي حتى لو انتقل قبل الاف السنين و عاش في مناطق اخرى و انتمى لعرقية اخرى. هذا ينطبق ايظا على التحورات و المجموعات الفردانية الاخرى بحيث اصبح اليوم ممكنا و بدقة عاليا حصر العرقيات المختلفة و ردها الى عرقياتها الاصلية حتى لو انتمت عبر الاف السنيين لعرقيات و شعوب اخرى. فمثلا المجموعة الفردانية (E) هي افريقية و كل طفرة جديدة اعطت تفرعا من (E) بحيث يمكن تحديد العرقية و المنطقة في افريقيا التي نشأت منها هذه المجموعة الفردانية عبر الاف السنين حتى لو عاشت عبر هذه السنين في مناطق اخرى و انتمت لعرقيات اخرى.
اعود و اؤكد ان الدولة الوطنية و اللسان و الثقافة حلت هذه الاشكاليات و لكن مع صعود تيارات تدعي نقاء عرقيتها و وجودها في مناطق مثل بلاد الشام قبل غيرها و بالتالي احقيتها التاريخية لا بد من وضع الامور في نصابها وفق الحمض النووي و الذي تم تاكيده من خلال دراسات منشورة في مجلات علمية عالمية مثل مجلة الطبيعة. هنا نتحدث عن حقائق و ليس سرديات افتراضية مستوحاة من كتب و روايات قديمة.
في المقالة القادمة سأدخل بعمق في حركة التاريخ و الاحقية التاريخية.