اسماعيل الشريف : في خدمة المشروع الصهيوني
كسر السدّ ليغمر الطوفان المنطقة كلّها - صدام حسين.
بعد أربعة أيام من الهدوء، أطلقت إيران عدة صواريخ باتجاه عدد من دول المنطقة، من بينها الأردن، لتردّ الولايات المتحدة باستهداف مواقع داخل إيران، إلى جانب جماعات مرتبطة بها في العراق الشقيق. ومن الواضح أن هذه الضربات الايرانية لن تغيّر ميزان القوى أو تحسم مسار الحرب؛ فغايتها سياسية في المقام الأول، إذ تسعى إيران من خلالها إلى استعراض قوتها، والتأثير في قنوات الاتصال الدبلوماسي المفتوحة مع الولايات المتحدة، في وقت تناقش فيه دول الخليج مستقبل مضيق هرمز، فضلًا عن محاولة استنزاف مخزون الصواريخ الاعتراضية الأمريكية.
وقد تزامنت الهجمات الإيرانية مع زيارة مجرم الحرب نتن ياهو إلى الولايات المتحدة، في رسالة تحدٍّ مفادها أن إيران ليست مجرد بند على جدول الأعمال الصهيوني - الأمريكي، بل طرف يسعى إلى الاحتفاظ بمقعده على طاولة المفاوضات وفرض حضوره في أي ترتيبات إقليمية مقبلة.
غير أن اللافت هو تحوّل الأردن إلى أحد الأهداف المفضلة لإيران، على الرغم من دوره الإنساني والإقليمي الكبير. فالأردن يستضيف نحو أربعمائة ألف لاجئ سوري مسجّل، وما يقارب تسعمائة ألف آخرين غير مسجّلين، ويتحمّل جانبًا كبيرًا من أعباء استضافتهم. وفي عام 2026، لم يتلقَّ سوى 2.3 % من التمويل المطلوب ضمن خطة الاستجابة الإنسانية، ما أضعف شبكات الحماية، في وقت باتت فيه 93 % من أسر اللاجئين غارقة في الديون، ويعاني ثلاثة من كل أربعة لاجئين انعدام الأمن الغذائي. وقد ضاعف ذلك الضغوط على موارد الدولة الشحيحة أصلًا، وألقى بتبعات اقتصادية متزايدة على الأردنيين.
وفي الوقت الذي يتعرّض فيه الأردن للصواريخ الإيرانية، يواجه خطرًا أشدّ يتمثل في أطماع اليمين الصهيوني المتطرف، الذي يتداول خرائط تضم أراضي أردنية، ولا يخفي مخططاته الرامية إلى ضم الضفة الغربية وتهجير سكانها قسرًا إلى الأردن. وتأتي هذه الأخطار بينما يضطلع الأردن بدور محوري في حفظ استقرار المنطقة؛ إذ إن انزلاقه إلى الفوضى، لا سمح الله، من شأنه أن يزجّ بالمنطقة بأسرها في اضطراب لا تُعرف حدوده ولا مآلاته، ويحوّلها إلى ساحة للحروب الخفية والصراعات بالوكالة وتصفية الحسابات، وهي البيئة التي تجيد إيران «وإسرائيل» التسلل إليها واستغلالها.
ومن هنا، فإن إصرار إيران على استهداف الأردن لا يخدم، في المحصلة، سوى المشروع الصهيوني؛ لأن كل محاولة لإضعاف الأردن وزعزعة استقراره تصبّ، مباشرة أو غير مباشرة، في مصلحة المخططات التي تستهدف أمنه وحدوده ودوره الإقليمي.
ولا ينبغي التسليم بالحجج التي تزعم أن استهداف الأردن ليس سوى وسيلة للضغط عليه كي يعيد النظر في علاقته بالولايات المتحدة؛ فهذا أمر غير واقعي. فالولايات المتحدة من أبرز الداعمين للأردن سياسيًا واقتصاديًا، كما تسهم العلاقة الوثيقة بين البلدين في تعزيز قدرة الأردن على حماية أمنه وكبح الأطماع الصهيونية فيه. ومن وجهة نظري، فإن المطالبة بإغلاق ما يُسمّى «القواعد الأمريكية» في الأردن هو خطاب شعبوي غير مدروس، يتجاهل الظروف الإقليمية والعواقب المحتملة لمثل هذه الخطوات.
لم تفلح الضربات الإيرانية حتى الآن في تحقيق أهدافها، فقد جرى اعتراض معظم الصواريخ التي أُطلقت. غير أن خطرها الحقيقي يكمن في محاولتها نشر الفوضى داخل الأردن، بما يتيح لكلٍّ من إيران والحركة الصهيونية استغلالها لتحقيق كل مشروعه الخاص. فكما كان العراق بوابة العرب في الشرق، يمثّل الأردن اليوم بوابة العرب وحصنهم في مواجهة الأطماع الصهيونية في المنطقة.
داخليًا، الشعب الأردني على قلب رجل واحد، ملتفّ حول قيادته، وداعم لأجهزته الأمنية الباسلة، وهو بإذن الله سدّ منيع في وجه الأطماع الصهيونية والإيرانية. غير أن صلابة الجبهة الداخلية لا تعفي الأشقاء والحلفاء من مسؤولياتهم؛ فخطورة المرحلة تقتضي عقد مؤتمر إقليمي يضم الدول العربية، وفي مقدمتها دول الخليج الشقيقة، برعاية أمريكية وغربية، لتقديم الدعم للأردن في حماية حدوده الغربية، والتأكيد على عدم المساس بحدود عام 1967، وتوفير الدعم السياسي والاقتصادي والإنساني اللازم له لتحمّل أعباء استضافة اللاجئين.
لقد انتهى زمن «إدارة الصراع»، وحان وقت الانتقال إلى حل حقيقي وشامل، عبر إبرام معاهدة إقليمية جديدة توفر الحماية السياسية والاقتصادية والأمنية للأردن ودول المنطقة، وتصون حدودها وسيادتها وأمنها، قبل أن يغمر الطوفان المنطقة كلّها.
ــ الدستور