عزت جرادات :الملابس والتطور الاجتماعي
مقدمة: ترتبط الملابس ارتباطاً وثيقاً بالمظهر العام مجتمعياً، وبالذوق العام للمجتمع. فهي، أي الملابس، المرآة الأساسية التي تعكس هوية الفرد وثقافته وشكل مظهره الخارجي، وتكشف عن مدى احترامه القيم والتقاليد الاجتماعية والمجتمعية السائدة.
فالمظهر الخارجي للفرد يوحي بنظرة سريعة للآخرين عن شخصية الإنسان ونظافته وأناقته. ويتوافق المظهر العام للفرد مع المكان تحديداً، ومع المناخ بشكل عام مثل مكان العمل او المناسبة أو الأماكن العامة، كما يعبر ذلك عن مدى وعي الشخص، وشعوره بإحترام الآخرين المتبادل. والأهم من ذلك التوازن بين الحرية الشخصية والذوق العام. فحرية اللباس تنتهي حيث تبدأ إساءته للذوق العام او البيئة الاجتماعية المحيطة بالموقف.
اللباس منذ عهد الإمارة:
شهد الأردن منذ تأسيس الإمارة تطوراً اجتماعياً كبيراً في المظاهر واللباس، تمثّل في الانتقال من الطابع العشائري الى الريفي الى المظهر المدني الحديث مع الحفاظ على الهوية التراثية بمراحل تدريجية، تأثراً بالتعليم والتمدن والتغيّر المجتمعي: فاللباس التقليدي غلبَ عليه الثوب البدوي - الريفي، والعباءة والكوفية (الشماغ) والعقال (المرعز)، بينما ارتدت النساء الثوب المطرّز او المقصب التقليدي.
وجاءت النقلة السريعة في اللباس بالتوسّع في الوظائف وأنواع العمل والمدارس. فظهرت (البدلات) الرسمية و الطربوش، والقمصان ذات القبة البيضاء و(البنطلون)، مع بقاء الشماغ رمزاً وطنياً أصيلاً والحطة البيضاء (ألِبْوال).
وأدى نمو المدن واستقطابها لسكان البوادي والأرياف، الى تقارب في الاندماج المجتمعي، الذي كان يتضح في الاحتفالات الاجتماعية والوطنية.
مظاهر التطور في اللباس:
أثّر انتشار التعليم فيه ونشر المدارس في البوادي والأرياف والمدن في إحداث تغير في اللباس يتناسب مع الدور الوظيفي في المدارس، واختلاط المعلمين مع المجتمعات المحلية. فالمعلم كان يمتاز بالأناقة، والذوق في الملابس. وكان ذلك مبعثاً لاحترام المعلم، ومكانته المجتمعية، قدوة في السلوك والمظهر.
فكان من أبرز المظاهر: الطربوش والفصيلية والحطة البيضاء والعقال (المرعز).. اما الطلبة فكان التزامهم التّام (بالشورة والعقال)، والبنطلون القصير للمرحلة الابتدائية، والبنطلون الطويل للمراحل الأعلى ..واستمر هذا الوضع حتى أوائل الخمسينات عندما بدأت المدارس بمنع الطلبة في جميع المراحل من ارتداء غطاء الرأس، ثم أصبحت الأمور تلقائية لدى الطلبة دونما عناء من الذاكرة.
من الذاكرة:
وأتذكر انه في عهد حكومة المرحوم الاستاذ أحمد عبيدات، اتخذ مجلس الوزراء قراراً بتوحيد الزي المدرسي، وكان الدافع الأساسي لذلك القرار، اقتصادياً ووطنياً ومن ثمّ تربوياً. وفي تقديري، كما عاصرتُ هذا المشروع، وتسلمت ملف آلية تطبيقه التدريجي كان له الأثر الاجتماعي المقبول.
وأخيراً:إن اللباس وتطوره مجتمعياً يتزامن مع التغيير الاجتماعي التلقائي، والذي لا يتم عبر مدونات سلوكية مجتمعية فكثيرة هي المدونات التي اتخذتها بعض المدن والعشائر تتعلق بالتغيير في العادات والتقاليد الاجتماعية، ولم يُكتب لها النجاح. ولكنها مع عملية التغيّر والتطوّر الاجتماعي آتية لا ريب فيها فالتأثير الثقافي والتغيّر الاجتماعي، والارتقاء بالذوق العام المجال الحيوي من أقوى عوامل نجاح التطوّر والتغيير.