اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

سمير حمدان - بودابست : قبل أن ينجح الحزب .. يجب أن يقنع الأردنيين بأنه ضرورة

سمير حمدان  بودابست : قبل أن ينجح الحزب .. يجب أن يقنع الأردنيين بأنه ضرورة
أخبارنا :  

قد لا تكون أزمة الحياة الحزبية في الأردن أن الأحزاب ضعيفة، بل أن الدولة نفسها تطورت لعقود من دون أن تتحول الأحزاب إلى جزء لا غنى عنه من بنيتها السياسية، وهنا تكمن المفارقة التي تستحق التوقف عندها، فالدول لا تدخل أزماتها عندما يضعف حزب أو يخسر انتخابات، بل عندما يقتنع المجتمع أن السياسة يمكن أن تُدار من دون مؤسسات سياسية حقيقية، لأن تلك اللحظة تعني أن شرعية الأفراد تتقدم على شرعية المؤسسات، وأن إدارة الدولة تصبح مرتبطة بمن يشغل الموقع، لا بالقواعد التي تحكمه، ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس كيف تنجح الأحزاب، بل كيف ينجح الأردن في جعل الحزب جزءًا من قوة الدولة، لا مجرد رقم في سجلها السياسي .


لم يرفض الأردنيون الأحزاب يومًا لأنها أحزاب، بل لأن معظمها لم يستطع أن يثبت أنه يغيّر حياتهم، فقد تغير الاقتصاد، واتسعت الجامعات، وتبدلت طبيعة سوق العمل، وازدادت تحديات الإقليم، بينما بقي الخطاب الحزبي أبطأ من التحولات، وعندما لا يرى المواطن أن الحزب يحسن التعليم، أو يفتح باب الاستثمار، أو يرفع كفاءة الإدارة، أو يدافع عن مصلحة عامة، فإنه يتعامل معه باعتباره نشاطًا سياسيًا، لا مؤسسة يحتاج إليها في حياته اليومية .


ولهذا لا ينبغي النظر إلى الاندماجات الحزبية الأخيرة، وانضمام شخصيات وطنية وبرلمانية، بوصفها إنجازًا بحد ذاته، بل بوصفها بداية امتحان صعب، فالاندماج لا ينتج حزبًا، كما أن الأسماء الكبيرة لا تصنع مشروعًا، لأن المجتمع لا يمنح ثقته للهياكل، بل للأفكار، ولا يقيس قيمة الحزب بعدد المنتسبين إليه، بل بقدرته على تحويل المشكلات إلى حلول، والحلول إلى سياسات، والسياسات إلى نتائج يلمسها المواطن، فالشرعية السياسية تُكتسب من المجتمع، لا من المقرات .


لقد دخل الأردن مرحلة تختلف عن كل ما سبقها، فالتحديات لم تعد سياسية فقط، بل اقتصادية وتكنولوجية وإدارية، وأصبحت قضايا الاستثمار، والمياه، والطاقة، والذكاء الاصطناعي، والتعليم، والإنتاجية، تحدد مكانة الدول وقدرتها على الاستمرار، وهذه الملفات لا تُدار بردود الأفعال، ولا بخطط قصيرة العمر، بل تحتاج إلى مؤسسات تنتج الأفكار قبل القرارات، وتناقش البدائل قبل الأزمات، وتفكر بعقلية العقد القادم، لا الموسم الانتخابي القادم، وهنا تبدأ وظيفة الحزب الحقيقية، لأنه ليس آلة انتخابية، بل مؤسسة لإنتاج السياسة وصناعة المستقبل .


لكن الخطر الأكبر أن تعيد الأحزاب إنتاج النموذج الذي يفترض أنها جاءت لتغييره، فتتحول إلى تجمعات تدور حول الأشخاص بدل البرامج، وإلى ولاءات تنظيمية بدل المنافسة على الكفاءة، وإلى هياكل تخشى النقد أكثر مما تخشى الفشل، عندها سيتغير الاسم، لكن الثقافة السياسية ستبقى كما هي، وسيكون الإصلاح قد غيّر الواجهة من دون أن يمس الجوهر، لأن الدول لا تُبنى بمؤسسات تشبه الماضي، بل بمؤسسات تمتلك القدرة على تجاوزه .


أما ما يريده الأردنيون فهو أكثر وضوحًا مما تتصور النخب السياسية، إنهم لا يريدون أحزابًا تتحدث باسمهم، بل أحزابًا تحاسب نفسها قبل أن تطلب محاسبة الآخرين، ولا يريدون شعارات جديدة، بل خططًا تخلق فرص العمل، وترفع جودة التعليم، وتجذب الاستثمار، وتبسط الإدارة، وتحمي المال العام، لأن المواطن لا يمنح ثقته لمن يصف أزماته، بل لمن يملك الشجاعة لتقديم حلول قابلة للقياس، ثم يقبل أن يُحاسب عليها أمام الناس .


ومن المرجح أن تشهد السنوات المقبلة إعادة فرز طبيعية للحياة الحزبية، لن يحسمها القانون وحده، بل سيحسمها المجتمع، فالأحزاب التي تبني مؤسسات حقيقية، وتستقطب الكفاءات، وتنتج حلولًا واقعية، ستترسخ، بينما ستتراجع الأحزاب التي تعيش على المواسم الانتخابية أو على بريق الأسماء، وعندها لن يكون السؤال كم حزبًا بقي، بل أي حزب استطاع أن يصبح جزءًا من بنية الدولة، لا ضيفًا على حياتها السياسية .


في النهاية، لن ينجح الحزب لأنه كبر، ولن ينجح لأنه ضم شخصيات أكثر، بل سينجح عندما يقتنع الأردني أن وجوده يجعل الدولة أكثر قدرة على التخطيط، وأكثر عدلًا في توزيع الفرص، وأكثر كفاءة في إدارة مواردها، وأكثر خضوعًا للمساءلة، عندها فقط لن تبحث الأحزاب عن المجتمع، بل سيبحث المجتمع عنها، لأنه سيكون قد أدرك أن الدول لا تقوى بكثرة الأحزاب، بل بقدرتها على تحويل السياسة إلى مؤسسات، والمؤسسات إلى سياسات، والسياسات إلى ثقة، والثقة إلى مستقبل .




مواضيع قد تهمك