الاستاذ الدكتور ماهر سليم : العلوم البحتة ومستقبل التنمية العربية؟
الاستاذ الدكتور ماهر سليم
لا يمكن لشجرة أن تورق وتثمر إذا ما قُطعت جذورها....ولا يمكن لبناء أن يطاول السحاب إذا أُقيم على رمال متحركة. هذه البديهية الهندسيّة هي ذاتها الحقيقة الغائبة عن خطط التعليم والتنمية في غالبية الدول العربية؛ حيث يُمارس تهميش غير معلن بحق (العلوم الأساسية)أو البحتة (الرياضيات والفيزياء والكيمياء والأحياء)!! لحساب تخصصات تطبيقية أو إنسانية أخرى.
إننا نعيش في عالم عربي يطمح لامتلاك أحدث المستشفيات، وتشييد أضخم الأبراج، وتوطين الذكاء الاصطناعي، لكنه في الوقت ذاته يغفل عن حقيقة علمية وتاريخية حتمية: كل قفزة تكنولوجية أو طبية أو هندسية ما هي إلا ثمرة ناضجة لشجرة جذورها الرياضيات والفيزياء والكيمياء و الأحياء. دون هذه العلوم، سنظل مجرد "مستهلكين ومستوردين" للتقنية، لا منتجين لها.
جذور الأزمة: النظرة القاصرة للعلوم الأساسية
تكمن المشكلة الأساسية في العقلية المجتمعية والمؤسسية التي تقيس قيمة التعليم بالربح المادي السريع والمباشر. لقد تحولت كليات العلوم في الجامعات العربية، في نظر الكثيرين، إلى "خيار ثانٍ" أو مسار مخصص لمن لم يحالفهم الحظ في دخول كليات الطب والهندسة.
هذا الفهم القاصر يتجاهل أن:
1.الطب والصيدلة لا يمكنهما التطور دون كيمياء حيوية متقدمة وعلم أحياء جزيئي يفك شفرات الأمراض ويصنع اللقاحات.
2.الهندسة والبرمجيات ليست سوى تطبيقات مباشرة لمعادلات الفيزياء الرياضية وخوارزميات الرياضيات البحتة.
3. ثورة أشباه الموصلات والطاقة المتجددة التي تقود العالم اليوم هي نتاج فيزياء الكم وعلم المواد.
إن تركيز الأنظمة التعليمية العربية على تخريج ممارسين (أطباء ومهندسين وصيادلة) مع إهمال تخريج "العلماء الباحثين" في العلوم الأساسية، خلق فجوة معرفية هائلة. نحن ندرّس "نتائج العلم" لا "منهجية صناعته"، مما جعل أبحاثنا العلمية في مجملها أبحاثاً تجميعية أو وصفية تفتقر للاصالة والابتكار.
خارطة الطريق نحو ريادة علمية عربية
الخروج من هذا النفق المظلم يتطلب ثورة شاملة في طريقة تعاطينا مع العلوم الأساسية، تبدأ من المدرسة وتنتهي بمراكز القرار السياسي والاقتصادي. وتتلخص هذه الرؤية في المحاور التالية:
أولاً: إعادة الاعتبار والشغف للعلوم في التعليم الأساسي
يجب تغيير طرق التدريس التقليدية القائمة على التلقين والحفظ في الرياضيات والعلوم و تبني مناهج تفاعلية (مثل منهج STEM) التي تركز على التجربة والاستكشاف وربط النظرية بالواقع. يجب أن يدرك الطفل أن الرياضيات هي لغة الكون، وأن الفيزياء هي تفسير للحياة، وليس مجرد أرقام صماء تُحفظ لاجتياز الامتحان.
ثانياً: تأسيس معاهد وطنية للعلوم البحتة برعاية وطنية على غرار معهد (ماكس بلانك)في ألمانيا أو معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا MIT في أمريكا و عليه تحتاج الدول العربية إلى تأسيس مراكز بحثية كبرى ومستقلة تُعنى حصرياً بالبحوث الأساسية (الرياضيات العليا، فيزياء الجسيمات وعلم الأحياء الخلوي) وتوفير تمويل حكومي مستدام لها غير مشروط بعائد مادي فوري لأن الاستثمار في العلم البحث هو استثمار طويل الأجل.
ثالثاً: ربط العلوم الأساسية بقطاعات الصناعة والأمن القومي
يجب تشجيع الشركات الكبرى والمؤسسات العسكرية والصناعية في العالم العربي على تمويل كراسي بحثية في الجامعات لحل معضلات تطبيقية من خلال العلوم البحتة. على سبيل المثال: تطوير بطاريات جديدة (كيمياء) وتحسين خوارزميات التشفير السيبراني (رياضيات) أو تطوير مواد بناء ذكية (فيزياء).
رابعاً: الربط بين العلماء الباحثين و رجال الأعمال و الصناعة:
خلق مسارات تجمع بين علماء العلوم البحتة ورواد الأعمال لتحويل الاكتشافات المعملية إلى براءات اختراع وشركات ناشئة، مما يجعل دراسة هذه العلوم جاذبة مالياً ومهنياً للشباب النابغين.
خامساً: رعاية الموهوبين ووقف نزيف العقول
العقل العربي ليس عقيماً، لكنه يهاجر حيث يجد البيئة الحاضنة. يجب إنشاء مرصد عربي للموهوبين في الرياضيات والفيزياء منذ سن مبكرة وتقديم منح دراسية كاملة لهم، مع ضمان مسارات وظيفية مرموقة ومجزية مادياً تضمن بقاءهم في أوطانهم وقيادتهم للمستقبل العلمي.
إن النهضة الشاملة التي تنشدها الدول العربية في الاقتصاد والصناعة والصحة لن تتحقق عبر استيراد التكنولوجيا الجاهزة، بل عبر توطين المعرفة من منبعها الأول. إن "العلوم البحتة" ليست ترفاً فكرياً ولا رفاهية أكاديمية؛ بل هي الأمن القومي الحقيقي، والرافعة الأساسية لسيادة الأمم. لقد حان الوقت لكي ندرك أن امتلاك مفاتيح الفيزياء والرياضيات والكيمياء والأحياء هو السبيل الوحيد لندخل التاريخ مجدداً كصناع للحضارة، لا كمتفرجين على هامشها.