اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

د. حازم قشوع : النووي السعودي وتحدي الصندوق الأسود

د. حازم قشوع : النووي السعودي وتحدي الصندوق الأسود
أخبارنا :  

د. حازم قشوع


ما تزال المفاوضات الأمريكية–السعودية بشأن الصيغة النووية تسير عبر قنوات متعددة، الأمر الذي فتح الباب أمام قراءات متباينة؛ فبعضها يربطها بسياق المواجهة غير المباشرة مع إيران، فيما يضعها آخرون ضمن سلة الترتيبات الإقليمية المرتبطة بإعادة تشكيل العلاقة مع إسرائيل ومسارات التطبيع. وهو ما يستدعي من الدول العربية التمسك بحماية الموقف العربي، خاصة في ما يتعلق بالحق الفلسطيني، وصون الوصاية الهاشمية على المقدسات في القدس.


غير أن جوهر المسألة يتجاوز هذه القراءات، ليتصل بطبيعة التحول الجاري في ميزان القوى داخل الخليج؛ حيث لم تعد الطاقة مجرد مورد اقتصادي، بل تحوّلت إلى أداة سيادية لإعادة التموضع الاستراتيجي. وفي هذا السياق، يبرز المشروع النووي السعودي بوصفه أحد مفاتيح إعادة تعريف الدور الإقليمي للمملكة، ضمن معادلة تتقاطع فيها اعتبارات الردع، وأمن الطاقة، والتوازن مع المشروع النووي الإيراني، وهو ما

يعزز أهمية التضامن العربي في هذا المقام.


فإيران، التي راكمت خبرة نووية متقدمة، لم تعد تُقرأ فقط من زاوية التخصيب، بل من زاوية قدرتها على فرض معادلة ردع مرنة في الخليج. وهذا ما يدفع القوى الإقليمية، وفي مقدمتها السعودية، إلى البحث عن أدوات موازنة تحفظ الاستقرار وتمنع اختلال التوازن. ومن هنا، يصبح النووي السعودي – حتى في إطاره السلمي – جزءًا من معادلة الردع غير المعلن، ورسالة سياسية قبل أن يكون مشروعًا تقنيًا.


غير أن هذه المعادلة لا تُدار فقط من واشنطن، بل تدخل فيها بكثافة حسابات القوى الكبرى الأخرى، وعلى رأسها الصين وروسيا، اللتان تنظران إلى الخليج بوصفه ساحة لإعادة تشكيل النظام الدولي متعدد الأقطاب.


فالصين، التي رسّخت حضورها الاقتصادي في المنطقة عبر مبادرة "الحزام والطريق"، تتعامل مع الملف النووي من زاوية أمن الطاقة واستدامة التدفقات النفطية. وهي، وإن بدت أقل انخراطًا سياسيًا مباشرًا، إلا أنها تدفع باتجاه نماذج تعاون تكنولوجي أقل تقييدًا، ما يمنح دول الخليج هامشًا أوسع للمناورة خارج الإطار الأمريكي. كما ترى بكين في أي مشروع نووي خليجي فرصة لتعزيز شراكاتها الصناعية والتقنية، بما يكرّس حضورها كفاعل اقتصادي–استراتيجي طويل الأمد.


أما روسيا، فتنظر إلى الملف من زاوية مختلفة؛ إذ تمتلك خبرة واسعة في بناء المفاعلات النووية وتصديرها، وتستخدم هذا القطاع كأداة نفوذ جيوسياسي. ومن خلال شركاتها النووية، تسعى موسكو إلى توسيع حضورها في الشرق الأوسط، مستفيدة من أي فجوة قد تتركها القيود الغربية. كما تدرك أن دخولها على خط المشاريع النووية الخليجية يمنحها ورقة إضافية في إدارة توازناتها مع الغرب، خصوصًا في ظل التوترات الدولية المتصاعدة.


وهنا، يتقاطع الدوران الصيني والروسي مع المسار الأمريكي، ليشكّلوا معًا مثلث تأثير يعيد رسم حدود القرار النووي في الخليج. فالولايات المتحدة تسعى إلى ضبط المشروع السعودي ضمن "الصندوق الأسود" الذي يضمن الرقابة الكاملة، فيما تفتح الصين وروسيا نوافذ بديلة – ولو جزئيًا – أمام خيارات أكثر استقلالية.


غير أن هذه النوافذ لا تعني بالضرورة تحررًا كاملًا، بل تضع الرياض أمام معادلة معقدة: كيف يمكن الاستفادة من تعددية الشركاء الدوليين دون الانزلاق إلى تنافس القوى الكبرى على أرضها؟ وكيف يمكن تحويل المشروع النووي إلى رافعة سيادية دون أن يصبح ساحة صراع نفوذ؟


وبذلك، يتحول "الصندوق الأسود" من كونه أداة رقابة تقنية إلى عنوان لصراع دولي على من يملك مفاتيح المستقبل الطاقي في الخليج. فلا السؤال يعود تقنيًا بحتًا، ولا القرار سياديًا صرفًا، بل يصبح جزءًا من لعبة أمم تُدار على مستويات متعددة، حيث تتقاطع مصالح واشنطن وبكين وموسكو في رسم ملامح المرحلة القادمة.


وفي ضوء ذلك، يبقى المشروع النووي السعودي اختبارًا لقدرة المشرق العربي على الانتقال من موقع التأثر إلى موقع التأثير، ومن هامش التوازن إلى مركز صناعته، في عالم يُعاد تشكيله على وقع تعدد الأقطاب وتنافس القوى الكبرى.


ومن وحي تقدير الأردن للموقف الدولي، تتجه الأنظار إلى اللقاءات المعمقة التي يجريها جلالة الملك عبدالله الثاني في أروقة بيت القرار البريطاني والدولي، لما تحمله من دلالات سياسية تعزز الحضور العربي في المشهد القادم، عبر تثبيت التوازنات الاستراتيجية وصون المصالح العليا للأمة.


إن إدارة الملف النووي السعودي لا ينبغي أن تُقرأ كقضية وطنية منفصلة، بل كجزء من معادلة عربية شاملة لإعادة بناء التوازن في المنطقة. وعليه، فإن الانتقال من ردّ الفعل إلى الفعل، ومن التكيف إلى المبادرة، هو الشرط الأساسي لتحويل هذا التحدي إلى فرصة استراتيجية تصنع مستقبلًا أكثر استقرارًا وتوازنًا. وهي الرؤية السياسية المركزية التي يقف عليها الأردن نهجًا ومضمونًا.


وفي هذا السياق، يبرز التساؤل: هل نشهد قمة عربية خماسية طارئة تعيد تأكيد هذه المعاني، وتؤسس لبيان عربي جامع يحفظ النهج، ويحقق درجة التوازن المطلوبة في مقاربة قضايا المرحلة؟ سؤالٌ مفتوح على احتمالات الواقع، ومعلّق على إرادة الفعل العربي في لحظة إقليمية دقيقة تتطلع فيها الأمة إلى ما يعزز حضورها ويصون مصالحها.


مواضيع قد تهمك