اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

علاء الدين ابو زينة : حرب المنطقة في سياق أزمة الرأسمالية..! (2/1)

علاء الدين ابو زينة : حرب المنطقة في سياق أزمة الرأسمالية..! (21)
أخبارنا :  

يميل كثير من المحللين –لشتى الأغراض– إلى اجتزاء الأحداث من سياقاتها التاريخية بطريقة تخدم رؤية أحد الأطراف المشاركة. ويظهر ذلك بوضوح في مداخلات قنوات التحليل العربية والأجنبية التي تغطي الحرب الأخيرة في الشرق الأوسط، حيث يختار المعلق نقطة زمنية أو عملية ليقيم عليها فكرته في قطع عن مقدماتها. وعلى النقيض من ذلك، نشرت دورية «الاشتراكية الدولية» الفصلية International Socialism مقالًا للباحثة آن ألكسندر Anne Alexander في 17 آذار (مارس) من هذا العام (العدد 190)، تحاول فيه وضع الحرب الحالية في منطقتنا ضمن سياق تاريخي أوسع -ولو على أساس نظري محدد.

 

عنوان المقال هو «تعقب مسار أزمة الرأسمالية: الحرب في الشرق الأوسط وآفاق المقاومة» (Tracing the Arc of Capitalist Crisis: War in the Middle East and Prospects for Resistance). وهو ينطلق من منظور الاقتصاد السياسي الماركسي ليفسر الحرب واسعة النطاق التي يشهدها الشرق الأوسط منذ الهجوم المشترك الذي شنته أميركا والكيان الصهيوني على إيران ولبنان، بوصفها امتدادًا للأزمة البنيوية التي تعصف بالنظام الرأسمالي العالمي في مرحلته النيوليبرالية المتأخرة. وترى الكاتبة أن الحرب لم تكن نتاج خصوصيات في شخصيات القادة السياسيين أو العقائد الأيديولوجية أو الخصومات الإقليمية، وترفض اختزال الصراع في نزعات دونالد ترامب أو بنيامين نتنياهو، كما ترفض إحالته إلى7 «الإسلام السياسي» أو «الصهيونية» باعتبار أي منهما تفسيرًا مكتفيًا بذاته.

برأيها، تعجز هذه المقاربات -رغم احتوائها على عناصر صحيحة- عن تفسير البنية الاقتصادية والسياسية التي تنتج الحروب وتعيد إنتاجها. ووفق رؤيتها، يشكل التصعيد العسكري أحد مظاهر الاختلالات العميقة التي أصابت الرأسمالية العالمية مع تراجع النموذج النيوليبرالي، بينما تبدو الحروب الممتدة، وسباقات التسلح، والتنافس على الطاقة والتكنولوجيا، حلقات مترابطة في عملية إعادة تشكيل موازين القوة داخل النظام الرأسمالي العالمي نفسه.

بحسب ألكسندر، كانت الحرب أميركا والكيان على إيران نتاجًا واضحًا لهذا التحول. وما بدأ كمحاولة لإسقاط النظام الإيراني بالقوة العسكرية سرعان ما تحوّل إلى حرب تستهدف البنية الاقتصادية نفسها. ولذلك أصبحت منشآت النفط، والمصافي، ومراكز البيانات، وشبكات الطاقة أهدافًا عسكرية رئيسية. وفي المقابل، تجاوز الرد الإيراني الوسائل العسكرية التقليدية إلى توجيه تهديد مباشر للاقتصاد العالمي من خلال إغلاق مضيق هرمز والضغط على أسواق الطاقة العالمية. ويعكس هذا التحول، في رأي الكاتبة، تداخلًا متزايدًا بين المنافسة الاقتصادية والصراع العسكري، حتى أصبح الاقتصاد نفسه ساحة للحرب، وأصبحت الحرب أداة لإعادة توزيع النفوذ الاقتصادي.

تقيم الكاتبة الصلة بين هذه التطورات والتحول الأوسع في النظام الدولي المتمثل في الصعود الاقتصادي والتقني للصين، الذي يقوض باطراد الهيمنة الأميركية التي تشكلت بعد انهيار الاتحاد السوفياتي. وبحسب الكاتبة، تتجاوز المشكلة الأساسية فقدان الولايات المتحدة قدراتها الاقتصادية أو الصناعية إلى حقيقة أن مركز الثقل في الاقتصاد العالمي لم يعد حكرًا عليها. وصعدت الصين لتصبح لاعبًا رئيسًا في الصناعة المتقدمة، وسلاسل التوريد، والتكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي. وهو واقع دفع واشنطن إلى إعادة صياغة إستراتيجيتها العالمية في محاولة للحفاظ على موقعها القيادي.

تتوقف ألكسندر مطولًا عند وثيقتي الأمن القومي والإستراتيجية الدفاعية اللتين أصدرتهما إدارة ترامب في أواخر العام 2025 وبداية العام 2026. وقد أعلنت هاتان الوثيقتان –نظريًا- نهاية مرحلة «الحروب الأبدية» في الشرق الأوسط، وأكدتا أن الولايات المتحدة لم تعد في حاجة إلى الانخراط العسكري المباشر كما فعلت في العقود السابقة. ففي نهاية المطاف، أصبحت أميركا منتجًا رئيسًا للطاقة، وأصبحت أولوياتها متركزة في مواجهة الصين واستعادة التفوق الصناعي والتقني. لكن ثمة مفارقة تجلت على المستوى العملي: أن الإدارة نفسها التي بشرت بالانسحاب من الشرق الأوسط سرعان ما أطلقت بعد أشهر قليلة حربًا واسعة على إيران.

لا ترى الكاتبة أن هذا التناقض يتصل بمجرد تقلب شخصية ترامب أو تراجعه عن وعوده الانتخابية، وتراه تعبيرًا أوسع عن مأزق بنيوي داخل الاستراتيجية الأميركية. من جهة، تدرك واشنطن أن مركز المنافسة العالمية انتقل إلى شرق آسيا، وأن مواردها ينبغي أن تتركز هناك. لكنها، من جهة أخرى، تعجز عن التخلي عن الشرق الأوسط بسبب ارتباطه الوثيق بأسواق الطاقة، والممرات البحرية، والبنية الرقمية، والاستثمارات الضخمة التي أصبحت جزءًا من المنافسة مع الصين. وهكذا تتحول المنطقة إلى عقدة إستراتيجية لا تستطيع الولايات المتحدة مغادرتها -حتى مع إعلاناتها المتكررة عن رغبتها في ذلك.

وكما ينبغي لأي دارس للمنطقة، تخصص ألكسندر جانبًا مهمًا من تحليلها لدور الكيان الصهيوني في هذه المعادلة الجديدة. وتشير إلى تجاوز الكيان دور الحليف العسكري التقليدي للولايات المتحدة ليصبح محور مشروع اقتصادي واستراتيجي أوسع، يهدف إلى إقامة فضاء اقتصادي يمتد من فلسطين إلى الخليج، ويقوم على الصناعات الرقمية، والذكاء الاصطناعي، والحوسبة السحابية، والتقنيات المتقدمة. وبذلك يصبح تطبيع الكيان مع العرب –بالإضافة إلى أبعاده السياسية- جزءًا من مشروع كبير لإعادة هيكلة الاقتصاد الإقليمي بما يخدم الرأسمالية الأميركية وشركات التكنولوجيا الكبرى.

لكن هذا المشروع اصطدم، بحسب الكاتبة، بسياسات الكيان نفسه: بدل أن تفضي حربه على غزة، ثم توسيع العمل العسكري نحو لبنان واليمن وإيران، إلى ترسيخ الاستقرار الذي يفترض أن يقوم عليه هذا المشروع الاقتصادي، أغرقت مغامرات الكيان المنطقة في مزيد من الفوضى. وتستشهد الكاتبة بتسريبات حول «البنية الأمنية الإقليمية» التي أنشأتها القيادة المركزية الأميركية، والتي حاولت من خلالها ربط الكيان وعددًا من الدول العربية في منظومة دفاعية مشتركة لمواجهة إيران. وترى الكاتبة أن هذا التحالف ظل غير متكافئ بشكل أساسي، وأن الدول العربية المشاركة فيه ظلت عاجزة عن كبح سياسات الكيان العدوانية والتفوقية -أو حتى حماية مصالحها الخاصة.

لوضع الحرب الحالية في سياق تاريخي أطول، تحدد ألكسندر حرب حزيران (يونيو) 1967 بين الكيان والعرب باعتبارها لحظة مفصلية تحول فيها الكيان إلى وكيل إقليمي للإمبريالية الأميركية بعد أن تمكن من تدمير القدرات العسكرية المصرية والعربية وكرس تفوقه الإقليمي. لكنّ هذه الهيمنة، كما تشير الكاتبة، لم تحقق أي استقرار للمنطقة، وأسهمت فقط في إنتاج موجات جديدة من المقاومة. كما أدت إلى إحداث تغيرات اقتصادية واسعة كان من بينها صعود منظمة (أوبيك) وتغير أسواق النفط العالمية، ثم بروز قوى إقليمية جديدة -مثل إيران بعد الثورة الإسلامية.

وفق هذا السياق التاريخي، أفضت كل محاولة لإعادة فرض توازن إقليمي بالقوة العسكرية في النهاية إلى دورة جديدة من الصراعات بدلًا من إنهائها. وبحسب الكاتبة، لا تشكل الحرب الحالية استثناءً، وهي حلقة جديدة فقط في سلسلة من المحاولات الرامية إلى إعادة تشكيل الشرق الأوسط بما يتلاءم مع احتياجات النظام الرأسمالي العالمي. لكنّ هذه المحاولات تظل عاجزة عن تجاوز التناقضات البنيوية التي تولِّدها، ولا تفعل سوى المزيد من تعميقها فحسب.


مواضيع قد تهمك