مالك العثامنة : بعد المونديال.. ماذا نفعل بالفرح؟
كان كافيا أن يظهر اسم الأردن على شاشة المونديال، وأن يقف النشامى أمام منتخبات صنعت تاريخ اللعبة، حتى يشعر الأردنيون بأنهم دخلوا - ولو من بوابة كرة القدم- مساحة عالمية طال انتظارها، وأن نتذكر دائما أن الخسائر لم تفسد معنى اللحظة، فالإنجاز الحقيقي سبق صافرة البداية، بل كان في الوصول ذاته وللمرة الأولى في تاريخ المنتخب، وقد اكتملت الصورة بوصول الحكمين الأردنيين أدهم مخادمة ومحمد الخلف إلى طاقم المباراة النهائية، كأن الكرة الأردنية أرادت أن تقول إنها لم تذهب إلى البطولة في ضيافة عابرة.
لكن البطولات تنتهي، وتطوى الأعلام، وتختفي الشاشات الكبيرة من الساحات، ويعود الناس إلى أعمالهم وأسئلتهم اليومية، وهنا يبدأ الاختبار الأصعب، ماذا نفعل بهذا الفرح بعد أن يهدأ، وهل نحفظه في ألبوم الذكريات، أم نحوله إلى مشروع؟
المشكلة في الأردن أننا نجيد الاحتفال بالإنجاز أكثر مما نجيد استثماره، فنستقبل الأبطال، ونرفع الصور، كما نكتب القصائد وندبج أطنانا من المقالات، ثم نعيد الرياضة إلى الهامش حتى البطولة التالية، مع أن وصول المنتخب إلى كأس العالم لم يكن معجزة هبطت فجأة، بل نتيجة تراكم بدأ من ملاعب متواضعة، ومدربين مع طواقمهم وقد عملوا بصمت، وكذلك عائلات دفعت من وقتها ومالها وأعصابها، مع أندية ظلت صامدة بمشقة رغم أزماتها، واتحاد كرة وقد عرف في لحظة ما كيف يبني منتخبا يملك شخصية وثقة.
لذلك، لا ينبغي أن يكون سؤال ما بعد المونديال من سيكون المدرب؟ أو من يبقى في التشكيلة فقط؟
بل نصوغ السؤال حول كيف تصبح كرة القدم جزءا من سياسة عامة، تبدأ من المدرسة، حيث لا تزال الرياضة حصة قابلة للإلغاء، وتمر بالبلديات التي تملك أراضي ولا تملك ملاعب كافية، ونصل بأسئلتنا إلى الأندية التي تعيش على الدعم والديون والمزاج الإداري، ولا تنتهي عند الاحتراف الذي لا يزال اسمه أكبر من بنيته الاقتصادية.
يقال – فيما يقال ويحكى وهو كثير- أن الحكومة بدأت دراسة إطار لخصخصة أندية كرة القدم، والخصخصة قد تكون بابا للحل، لكنها ليست كلمة سحرية، فالأندية لا تتحول إلى مؤسسات ناجحة بمجرد دخول مستثمر، ما لم تكن هناك حوكمة وشفافية، وجمهور يدفع، وملاعب صالحة، وبث تلفزيوني عادل، ومنتج رياضي يمكن تسويقه، فالمطلوب ليس بيع الأندية، بل بناء صناعة رياضية "بمعنى صناعة حقيقية" تحمي هويتها وتمنحها القدرة على الحياة.
الفرح الذي صنعه النشامى ليس ترفا عاطفيا، ففي بلد مثقل بالقلق، كانت الكرة مساحة نادرة اجتمع فيها الأردنيون بلا سؤال عن الأصل والمنطقة والموقف السياسي، وهذا وحده قيمة وطنية تستحق أن تبنى عليها سياسة، فالرياضة ليست تسلية خارج عمل الدولة، بل أداة صحة وتعليم واقتصاد وهوية عامة.
لقد عاد المنتخب من المونديال، لكن المطلوب ألا نعود نحن إلى ما قبله، النجاح لا يقاس بعدد الصور التي التقطناها معه، بل بعدد الأطفال الذين سيجدون غدا ملعبا ومدربا وناديا وفرصة، عندها فقط لا يكون الفرح قد مر بنا، بل يكون قد ترك شيئا وراءه، ينمو ويكبر.
ــ الغد