اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

د. هيفاء ابو غزالة : حين يسبق الابتكارُ القانون

د. هيفاء ابو غزالة : حين يسبق الابتكارُ القانون
أخبارنا :  

لماذا نحتاج إلى قانون رقمي للذكاء الاصطناعي .


قبل أيام، كنت أتحاور مع ابنتي، التي تعمل في مجال القانون الدولي خارج الأردن، حول واحدة من أكثر قضايا عصرنا إلحاحاً: العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والقانون. وبينما كنا نتبادل الرأي حول التحولات المتسارعة التي أحدثها الذكاء الاصطناعي في مختلف جوانب الحياة، وجدتني أطرح سؤالاً ظل يرافقني حتى بعد انتهاء الحوار: ماذا نفعل حين يسبق الابتكارُ القانون؟


كان السؤال، في ظاهره، جزءاً من نقاش عادي ، لكنه في حقيقته يختزل المعضلة التي يواجهها العالم اليوم. فالتاريخ اعتاد أن يسير في اتجاه واضح؛ يبتكر الإنسان، ثم يأتي القانون لينظم الابتكار. أما اليوم، وللمرة الأولى، يبدو أن التشريعات لم تعد تسير إلى جانب التطور، بل تركض خلفه.


فمنذ أن عرف الإنسان السيارة والطائرة والكهرباء والاتصالات، كان القانون يلحق بهذه التحولات بعد أن تستقر ملامحها. أما الذكاء الاصطناعي، فلا يمنح المشرّعين هذه الرفاهية. إنه يتطور بوتيرة متسارعة، ويعيد تشكيل الاقتصاد والتعليم والإعلام والصحة والإدارة والقضاء، بينما لا تزال كثير من المنظومات القانونية تتحرك وفق إيقاع صُمم لعصر مختلف.


من هنا، لم يعد الحديث عن القانون الرقمي ترفاً فكرياً أو تخصصاً قانونياً جديداً يضاف إلى كليات الحقوق، بل أصبح ضرورة استراتيجية تمس أمن الدول، واستقرار المجتمعات، وثقة الأفراد بالتحول الرقمي.


فالقانون الرقمي ليس قانوناً للحاسوب أو للإنترنت، بل هو الإطار التشريعي الذي ينظم الحياة في العصر الرقمي بكل ما تحمله من بيانات ومنصات وخوارزميات وقرارات مؤتمتة وتطبيقات للذكاء الاصطناعي. إنه القانون الذي يرسم الحدود بين ما هو مباح وما هو محظور، ويحدد المسؤوليات، ويحمي الحقوق، ويضمن ألا تتحول التكنولوجيا إلى سلطة تتجاوز الإنسان.


إن أخطر ما يفرضه الذكاء الاصطناعي ليس تطوره التقني، بل قدرته على اتخاذ قرارات تؤثر في حياة البشر. فحين تشارك الخوارزميات في التوظيف، أو الإقراض، أو التشخيص الطبي، أو تقييم المخاطر، أو إدارة الخدمات العامة، فإن القضية لا تصبح تقنية، وإنما قانونية في المقام الأول. فالمجتمعات لا تبنى على كفاءة الخوارزميات وحدها، بل على الثقة بعدالتها، وعلى وجود تشريع يضمن المساءلة عند الخطأ، ويحمي الإنسان من التعسف الرقمي مهما كان مصدره.


ولهذا، فإن التشريع لم يعد مطالباً فقط بملاحقة الجرائم الإلكترونية أو حماية البيانات، بل أصبح مطالباً بوضع قواعد واضحة لحوكمة الذكاء الاصطناعي، وتنظيم المسؤولية القانونية عن قراراته، وضمان شفافية الأنظمة الذكية، وصون الملكية الفكرية، وحماية الخصوصية، وترسيخ حق الإنسان في معرفة الكيفية التي تُتخذ بها القرارات التي تمسه.


ولعل التحدي الأكبر أن العالم لا يعيش سباقاً لإنتاج تطبيقات أكثر ذكاءً فحسب، بل سباقاً لكتابة القواعد التي ستحكم هذا الذكاء. فمن يشارك اليوم في صياغة التشريعات، سيكون شريكاً في رسم شكل الاقتصاد العالمي المقبل، وفي تحديد معايير المنافسة والاستثمار والابتكار لعقود قادمة.


ومن هنا، فإن الاستثمار الحقيقي لا يبدأ بشراء التقنيات، بل ببناء بيئة تشريعية تمنح المستثمر والمبتكر والمجتمع الثقة. فلا يمكن لاقتصاد رقمي قوي أن يقوم على تشريعات تقليدية، كما لا يمكن لدولة تطمح إلى الريادة الرقمية أن تدخل المستقبل بقوانين كُتبت لزمن مضى.


وفي العالم العربي، تبدو الحاجة أكثر إلحاحاً. فقد قطعت دول عربية خطوات مهمة في التحول الرقمي، إلا أن تطوير البيئة التشريعية لم يواكب دائماً سرعة هذا التحول. وهذا يستدعي انتقالاً من سياسة الاستجابة إلى سياسة الاستباق، ومن تعديل القوانين عند ظهور المشكلة إلى بناء تشريعات مرنة تستوعب ما لم يحدث بعد.


ولعل الوقت قد حان لإطلاق مبادرة عربية مشتركة لإعداد ميثاق عربي للقانون الرقمي وتشريعات الذكاء الاصطناعي، يضع المبادئ العامة التي تسترشد بها الدول العربية عند تطوير تشريعاتها الوطنية، ويعزز التعاون بين المشرعين والجامعات ونقابات المحامين وخبراء التكنولوجيا، حتى لا تبقى منطقتنا مجرد مستهلك للقواعد التي يضعها الآخرون، بل شريكاً في صياغتها.


ولا يقل أهمية عن ذلك إعداد جيل جديد من القانونيين يجمع بين المعرفة القانونية والفهم التقني. فمحامي المستقبل لن يكتفي بتفسير النصوص، بل سيحتاج إلى فهم الخوارزميات، والقاضي لن يواجه نزاعات تقليدية فقط، بل قضايا تتداخل فيها البيانات والأنظمة الذكية والمنصات الرقمية. أما كليات الحقوق، فهي مطالبة منذ اليوم بإعادة النظر في برامجها الأكاديمية، لأن مهنة القانون نفسها تدخل مرحلة جديدة من تاريخها.


لقد اعتدنا أن نقول إن القانون هو حارس المجتمع، لكن المجتمع الذي نعرفه يتغير بسرعة غير مسبوقة. وإذا لم يتطور القانون بالسرعة ذاتها، فلن يكون قادراً على الحماية، بل سيصبح شاهداً متأخراً على واقع صنعه غيره.


ذلك السؤال الذي بدأ به حديثي مع ابنتي لم يعد مجرد سؤال قانوني، بل أصبح سؤالاً يتعلق بمستقبل الدولة الحديثة: ماذا نفعل حين يسبق الابتكارُ القانون؟


الإجابة، في تقديري، ليست في إبطاء الابتكار، فذلك مستحيل، ولا في تركه بلا ضوابط، فذلك أخطر. وإنما في بناء قانون رقمي ذكي، مرن، واستباقي، يجعل التشريع شريكاً في صناعة المستقبل، لا مجرد أداة لتنظيم ما حدث بالأمس.


ففي القرن الحادي والعشرين، لن تُقاس قوة الدول بما تنتجه من تقنيات فحسب، بل بقدرتها على صياغة تشريعات تواكب تلك التقنيات، وتحمي الإنسان، وتعزز الثقة، وتحول الابتكار إلى قوة للتنمية، لا إلى مصدر جديد للفوضى. فالمستقبل لن يكون للأكثر تقدماً في التكنولوجيا وحدها، بل للأكثر حكمه في تشريعها.




مواضيع قد تهمك