د. عبد الله محمد القضاة : من تعديل النصوص إلى هندسة التشريعات
يشهد الأردن اليوم حراكاً وطنياً شاملاً نحو التحديث السياسي والإداري والاقتصادي، وهو ما يفرض استحقاقاً جوهرياً يتجاوز مجرد تعديل النصوص القانونية إلى هندسة التشريعات وفق منهجية علمية استباقية. فالتشريع الرصين لا يبدأ عند مناقشة المواد، بل يتشكل عبر رؤية وطنية متكاملة تحدد الدور الوظيفي للقانون في خدمة الدولة والمجتمع.
لقد جرى العرف البرلماني على تسلم مشاريع القوانين من الحكومة، لتبدأ اللجان النيابية بمناقشتها مادةً مادة. ورغم أصالة هذه الممارسة، إلا أنها غالباً ما تضع البرلمان في خانة المراجع القانوني المقيد بسقف النص الحكومي، بدلاً من أن يكون صانعاً للسياسة التشريعية. إن الفجوة الحقيقية تكمن في غياب السؤال الجوهري: ما هو "النموذج التشريعي" الذي يسعى البرلمان لتحقيقه؟
إن الانتقال من دور المعدِّل إلى دور المهندس يتطلب تبني منهجية (بناء النموذج التشريعي المستهدف) قبل الشروع في مناقشة النصوص. هذه المرحلة تتيح للمجلس تحديد الفلسفة الاستراتيجية للقانون، وقياس مدى مواءمته للمصالح الوطنية العليا، بعيداً عن المعالجات الجزئية للمشكلات الآنية التي غالباً ما تؤدي إلى تكرار التعديلات التشريعية في فترات وجيزة.
ولتفعيل هذه الرؤية، تبرز الحاجة إلى مأسسة مختبرات التشريع داخل أروقة مجلس النواب، لتكون منصات حوارية تجمع الخبراء والأكاديميين وممثلي المجتمع المدني والقطاع الخاص. الهدف هو بناء تصور تشريعي متكامل يسبق إحالة القانون للجان، مدعوماً بوحدة متخصصة (للنمذجة) التشريعية تتولى تحليل الأثر الاقتصادي والاجتماعي، ودراسة البدائل والممارسات الدولية الفضلى.
إن جودة المخرج التشريعي واستقراره هما الركيزة الأساسية لتعزيز الثقة بمؤسسات الدولة وجذب الاستثمارات. لذا، فإن تحديث العقلية التشريعية يقتضي أن يبدأ البرلمان بسؤال: كيف يجب أن يكون هذا القانون؟ لا أن يكتفي بكيف نعدل مشروع القانون المقدم من الحكومة؟
إن المرحلة المقبلة تتطلب برلماناً يمتلك زمام المبادرة التشريعية، ويجعل من النموذج الوطني نقطة الانطلاق والارتكاز. فالتشريع الناجح ليس مجرد صياغة قانونية محكمة، بل هو أداة استراتيجية لاستشراف المستقبل وترسيخ الاستقرار التشريعي كضمانة للتنمية الشاملة.