اسامة ابو طالب : ناقل منخفض التكاليف...
يتجدد الحديث بين الحين والآخر عن ضرورة إنشاء ناقل وطني منخفض التكاليف، لكن السؤال الذي أراه أكثر أهمية هو: هل كل حاجة جديدة تستدعي إنشاء شركة جديدة؟
لا خلاف على أن الأردن يحتاج إلى طيران منخفض التكاليف؛ فاليوم أصبحت كلفة تذكرة السفر أحد أهم العوامل في اختيار الوجهة السياحية، وأصبح تحسين الربط الجوي ضرورة لتحقيق مستهدفات رؤية التحديث الاقتصادي وزيادة تنافسية القطاع السياحي.
وتؤكد التجارب العالمية أن شركات الطيران منخفضة التكاليف أسهمت في تنشيط السياحة، وزيادة حركة المسافرين، وخفض أسعار السفر، وفتح أسواق جديدة، لكن الاتفاق على الهدف لا يعني بالضرورة الاتفاق على الوسيلة.
فإنشاء شركة طيران جديدة ليس مجرد شراء طائرات، بل هو استثمار ضخم يتطلب كوادر متخصصة، وأنظمة تشغيل وصيانة وتسويق، وسيولة قادرة على تحمل سنوات من المنافسة قبل الوصول إلى الاستقرار. لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل نستطيع إنشاء شركة جديدة؟ بل: هل هي الخيار الأكثر كفاءة والأسرع لتحقيق الهدف؟
في الاقتصاد، لا يقاس النجاح بعدد المؤسسات التي ننشئها، وإنما بحسن استثمار الأصول التي نملكها، والأردن يمتلك أصلًا وطنيًا مهمًا يتمثل في الملكية الأردنية، بما راكمته من خبرات تشغيلية، وحقوق واتفاقيات طيران، وكوادر مؤهلة، وبنية فنية، وعلامة تجارية وطنية استغرق بناؤها عقودًا.
ومن هنا، أرى أن النقاش يجب أن ينتقل من فكرة إنشاء ناقل جديد إلى تطوير الملكية الأردنية لتصبح مجموعة طيران وطنية تضم ثلاثة نماذج تشغيلية مستقلة: ناقلًا تقليديًا يخدم الخطوط الاستراتيجية، وناقلًا منخفض التكاليف يستهدف الأسواق الحساسة للسعر، وذراعًا للرحلات العارضة (Charter) يخدم المواسم السياحية ويربط العقبة والمثلث الذهبي مباشرة بالأسواق المصدرة للسياحة.
وقد أثبتت مجموعات طيران عالمية، مثل Lufthansa، أن إدارة نماذج تشغيل متعددة تحت مظلة واحدة تحقق كفاءة أعلى، بينما احتاجت Ryanair إلى عقود من العمل حتى أصبحت أكبر ناقل منخفض التكاليف في أوروبا. فالنجاح لم يكن في إنشاء شركة جديدة كل مرة، بل في بناء نموذج تشغيلي قادر على التطور والمنافسة.
إن الطيران ليس قطاعًا قائمًا بذاته، بل محرك لقطاعات السياحة والفنادق والمطاعم والتجارة والنقل، وكل رحلة جديدة تعني فرص عمل، وزيادة في الإنفاق السياحي، وتعزيزًا للاقتصاد الوطني.
لذلك، فإن الأردن يحتاج بالفعل إلى ناقل منخفض التكاليف، لكن ليس بالضرورة إلى شركة جديدة. وربما يكون الخيار الأكثر كفاءة هو تطوير الملكية الأردنية إلى مجموعة طيران وطنية مرنة، تحقق الهدف بأقل كلفة وأسرع أثر، وتبني على ما نملكه بدل أن نبدأ من الصفر.
فالاقتصادات الناجحة لا تُقاس بكثرة ما تنشئه من مؤسسات، بل بقدرتها على تعظيم قيمة الأصول التي تمتلكها وتحويلها إلى أدوات أكثر كفاءة وقدرة على المنافسة.