د. محمد كامل القرعان : في الأزمات يتجلى ثبات الأردن
لم تكن قوة الدول يومًا في حجم مواردها وحدها، بل في قدرتها على الثبات حين تشتد الأزمات، وفي كفاءة مؤسساتها، ووعي مجتمعها، وصلابة جبهتها الداخلية. ومن هذا المنظور، قدّم الأردن عبر تاريخه نموذجًا لدولة استطاعت أن تحافظ على أمنها واستقرارها، رغم ما يحيط بها من صراعات وتحولات إقليمية متسارعة.
يقف الأردن في إقليم مضطرب، لكنه لم يسمح للأزمات المحيطة بأن تنتقل إلى داخله أو تهدد تماسكه. ويعود ذلك إلى حكمة القيادة الهاشمية، ورسوخ مؤسسات الدولة، وجاهزية القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي، والأجهزة الأمنية، وقدرتها على العمل ضمن منظومة وطنية متكاملة.
أثبتت مؤسسات الدولة الأردنية في المحطات الصعبة أنها قادرة على الاستمرار والتكيف وإدارة الأزمات بمسؤولية. فالقوة المؤسسية لا تظهر في الظروف العادية، بل حين تتعرض الدولة لضغوط سياسية أو اقتصادية أو أمنية، وتتمكن رغم ذلك من حماية المواطنين، وضمان استمرار الخدمات، وصون هيبة القانون.
وتشكّل القوات المسلحة والأجهزة الأمنية السياج المنيع للوطن، بما تتمتع به من احترافية وانضباط وجاهزية عالية. ولم يقتصر دورها على حماية الحدود ومواجهة التهديدات، بل امتد إلى الإسناد الإنساني والإغاثي، والتدخل في الظروف الطارئة، وحماية مقدرات الدولة وأمن المجتمع.
غير أن قوة الأردن لا تستند إلى المؤسسات والأجهزة وحدها، بل إلى وعي وطني متجذر لدى الأردنيين. فهذا الوعي هو الذي يحصّن المجتمع من الشائعات وخطابات التحريض ومحاولات التشكيك، ويجعل المواطن شريكًا في حماية وطنه. وفي زمن المنصات الرقمية، أصبحت حماية الوعي العام لا تقل أهمية عن حماية الحدود؛ لأن الإشاعة قد تكون مدخلًا للفتنة، والمعلومة المضللة قد تتحول إلى أداة لإرباك المجتمع.
ولا يعني الوعي الوطني تجاهل المشكلات أو الامتناع عن النقد، بل يعني ممارسة النقد المسؤول، وتقديم المصلحة الوطنية، والتمييز بين الإصلاح الذي يقوّي الدولة، والخطاب الذي يستهدف إضعاف الثقة بها.
سيبقى الأردن قويًا ما دامت قيادته حكيمة، ومؤسساته راسخة، وأجهزته يقظة، ومجتمعه واعيًا. فالأردن لا ينتظر انتهاء الأزمات، بل يعرف كيف يعبرها بثبات، ويحمي استقراره بوحدة أبنائه وإيمانهم بأن الوطن مسؤولية وأمانة.