اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

أمل محمد أمين : القلق ..وباء العصر الذي يسرق أعمارنا بصمت

أمل محمد أمين : القلق ..وباء العصر الذي يسرق أعمارنا بصمت
أخبارنا :  

بقلم: أمل محمد أمين


في كل صباح، يفتح ملايين البشر أعينهم قبل أن يفتحوا قلوبهم على يوم جديد. تمتد أيديهم إلى هواتفهم، فتتدفق أمامهم أخبار الحروب، والأزمات الاقتصادية، والكوارث الطبيعية، وحوادث العنف، وتقلبات الأسواق، حتى يصبح القلق أول ضيف يستقبلهم مع بداية النهار. ومع مرور الوقت، لم يعد القلق شعورًا عابرًا، بل تحول إلى رفيق دائم يسكن العقول، ويستنزف الطاقات، ويسرق من الإنسان متعة اللحظة التي يعيشها.


ولعل المفارقة الكبرى أن الإنسان اليوم يمتلك من وسائل الراحة والتكنولوجيا ما لم تمتلكه أي أمة قبله، لكنه في المقابل يعيش مستويات غير مسبوقة من التوتر والخوف. لقد نجح في اختصار المسافات، لكنه لم ينجح في اختصار المسافة بين قلبه والطمأنينة.


القلق في أصله ليس عيبًا، بل هو نعمة إذا بقي في حدوده الطبيعية. فهو جرس إنذار يدفع الإنسان إلى الاستعداد، ويحفزه على التخطيط والعمل. لكن الخطر يبدأ عندما يتحول هذا الجرس إلى ضوضاء لا تتوقف، فيصبح الإنسان أسيرًا لأفكار لا تنتهي، وخائفًا من أحداث لم تقع، وربما لن تقع أبدًا.


إن معظم ما يقلق الإنسان اليوم لا يتعلق بالحاضر، وإنما بالمستقبل. نخشى فقدان الوظيفة قبل أن نفقدها، ونقلق على الرزق قبل أن ينقص، ونخاف من المرض قبل أن نصاب به، ونعيش في انتظار مشكلات لم يكتبها الله لنا. وكأننا نعاقب أنفسنا مرتين؛ مرة بخيالنا، ومرة إذا وقع الأمر بالفعل.


وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى حين ربط الطمأنينة بالإيمان والثقة بالله، فقال سبحانه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾. إنها ليست دعوة إلى الهروب من الواقع، وإنما دعوة إلى أن يبقى القلب مطمئنًا وهو يواجه الواقع، وأن يكون الإيمان مصدر قوة لا مجرد كلمات تتردد على الألسنة.


ومن أسباب انتشار القلق في عصرنا أيضًا، أننا أصبحنا نريد السيطرة على كل شيء. نخطط لكل خطوة، ونريد ضمان كل نتيجة، بينما طبيعة الحياة تقوم على الغيب والابتلاء. وقد قال تعالى: ﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. هذه الآية تعلم الإنسان أن ما يراه اليوم خسارة قد يكون بداية خير، وأن المستقبل ليس بيد البشر، وإنما بيد الحكيم الخبير.


ولا يمكن إغفال أثر وسائل التواصل الاجتماعي في تضخيم القلق. فهي لا تعرض الحياة كما هي، بل كما يريد أصحابها أن تبدو. نرى صور النجاح، ولا نرى سنوات التعب. نشاهد الابتسامات، ولا نعرف كم تخفي خلفها من ألم. ومع تكرار المقارنة، يشعر الإنسان أنه أقل حظًا من الآخرين، فيفقد الرضا، ويولد القلق من شعوره بالنقص، بينما الحقيقة أن لكل إنسان معركته التي لا يراها أحد.


لكن كيف نهدأ في عالم لا يتوقف عن إنتاج القلق؟


البداية تكون بتصحيح طريقة التفكير. ليس كل ما يدور في أذهاننا حقيقة، وليس كل احتمال يستحق أن نعيش في ظله. العقل القلق يميل إلى تضخيم المخاطر، بينما العقل الهادئ يبحث عن الحلول. لذلك، علينا أن نسأل أنفسنا عند كل خوف: هل هذا الأمر واقع بالفعل، أم أنه مجرد احتمال؟ وهل أملك تغييره، أم أنني أستنزف نفسي فيما لا أستطيع السيطرة عليه؟


ثم يأتي دور العمل. فالقلق لا يُهزم بالتمني، بل بالفعل. من يخشى الفشل فليتعلم ويجتهد، ومن يقلقه المستقبل فليخطط له، ومن يخاف المرض فليحافظ على صحته. أما الاستسلام للمخاوف فلن يغير الواقع، بل سيضاعف أعباءه. وقد لخّص النبي ﷺ هذا المنهج في قوله: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز»، فالإسلام يدعو إلى المبادرة والعمل، لا إلى الاستسلام للأوهام.


ولا تقل أهمية عن ذلك العناية بالنفس. فالنوم المنتظم، وممارسة الرياضة، وتقليل متابعة الأخبار المقلقة، والابتعاد عن المقارنات اليومية، والجلوس مع الأسرة، وقراءة القرآن، كلها ليست كماليات، بل وسائل حقيقية لاستعادة التوازن النفسي. فالروح كما تحتاج إلى العبادة، يحتاج الجسد إلى الراحة، ويحتاج العقل إلى فترات من الصمت بعيدًا عن ضجيج العالم.


ويبقى العلاج الأعظم هو التوكل الصادق على الله. والتوكل ليس ترك الأسباب، وإنما بذلها كاملة، ثم الرضا بما يقدره الله. يقول سبحانه: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾. إنها وعد إلهي يمنح القلب طمأنينة لا تستطيع الدنيا أن تمنحها، لأن من كان الله حسبه، فلن تكسره تقلبات الحياة.


إن الطمأنينة ليست حياة بلا مشكلات، وإنما قلب يعرف أن لكل شدة نهاية، ولكل ضيق فرجًا، وأن تدبير الله أرحم من تدبير الإنسان لنفسه. وما أحوجنا اليوم إلى أن نستعيد هذا اليقين في زمن تتكاثر فيه المخاوف وتتناقص فيه السكينة.


فلنجعل شعارنا دائمًا: اعمل ما تستطيع، واترك ما لا تستطيع لله، وثق أن الغد يحمل من الخير أكثر مما يتوقعه القلق، وأن الطمأنينة ليست غياب العواصف، بل القدرة على السير بثبات مهما اشتدت الرياح. فالقلق قد يطرق بابك، لكن لا تسمح له أن يسكن قلبك، فهناك قلب امتلأ بالإيمان لا تهزمه العواصف، لأنه يعلم أن مع العسر يسرًا، وأن بعد كل ليل فجرًا جديدًا.


مواضيع قد تهمك