اسماعيل الشريف : في الصحافة قصتان
لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ – 111 «يوسف».
يدور في هذه الأيام جدل واسع بين كتّاب الأعمدة وروّاد مواقع التواصل الاجتماعي حول الأخبار المسرّبة من داخل المؤسسات بشأن قضايا الفساد؛ فبعضها موثّق، وبعضها يفتقر إلى التوثيق، فيما تُنتزع أحيانًا ملفات من سياقها لتُقدَّم بوصفها دليلًا على الفساد. وبين من يدافع عن المسرّبين ومن يهاجمهم، سأقصّ عليكم قصتين.
تعود الأولى إلى زمن انتشار الصحف الأسبوعية، حين ذهبت لمقابلة صاحب إحداها بعدما تراكمت عليه مبالغ كبيرة لقاء طباعتها. كنت آنذاك وما زلت غِرًّا، فطلبت منه تسديد مستحقاته، واقترحت تقسيط المبلغ المتراكم على دفعات مريحة، شريطة أن يدفع تكاليف الطباعة الجديدة نقدًا. ثم تفتّق ذهني عن فكرة ظننتها عبقرية؛ أن أتولى توزيع الصحيفة، وأن تُخصَّص إيرادات التوزيع، أو جزء منها، لسداد الديون.
بعد أن فرغت من عرض اقتراحاتي، ابتسم، وأخرج من مظروف أمامه شيكًا بمبلغ كبير، صادرًا عن مسؤول رفيع لصالحه، وقال: «اتفضّل، اقرأ ما هو مكتوب». ثم أضاف بغرور: فكرك يا إسماعيل إن الإعلان والتوزيع فارقين معي؟ هذا الشيك مقابل أن أهاجم مسؤولًا آخر، وأصفّي حساباتهما على صفحات صحيفتي، وهذا أهم مصدر دخل لي!.
ولا يعني ذلك إنكار الدور المهم الذي أدّته الصحافة الأسبوعية المهنية؛ فقد ناقشت أهم القضايا، ورفعت سقف الحريات الصحفية في الأردن، وأسهمت في تخريج نخبة من الصحفيين والكتّاب والسياسيين. كما دفع أصحابها وصحفيوها أثمانًا باهظة بعدما أوجعوا رؤوس المسؤولين، وكشفوا ما كان يُراد له أن يبقى بعيدًا عن أعين الناس. وعلى إثر ذلك، عُدِّل قانون المطبوعات والنشر، فتحوّل إلى سيف مسلّط على رقاب الصحف، وأسهم في إنهاء عصرها الذهبي. ومع ذلك، فإن هذا القطاع، شأنه شأن أي قطاع آخر، لم يكن خاليًا من المشكلات والتجاوزات.
ومع تطوّر الإعلام وطغيان المنصات الرقمية على الصحافة التقليدية، بقي الجوهر على حاله؛ فهناك من يسعى إلى كشف الحقيقة مهما كان الثمن، ومن يستفيد ماديًا من نشر أخبار قد تكون صحيحة أو كاذبة، ومن تحرّكه مآرب خاصة، ومن لا يريد للأردن خيرًا، ومن يبحث عن الشهرة وحصد الإعجابات.
أما القصة الثانية، فتعود إلى مرحلة انتهى فيها عصر الصحافة الأسبوعية، وتراجعت حريات الصحف اليومية لأسباب تناولتها في مقالات سابقة وبرز الإعلام الرقمي مؤثرًا بقوة في الصحافة الورقية. يومها التقيت أحد المسؤولين عن ملف الإعلام، في جلسة لم تضم سوانا، وقلت له بصراحة: ثمة فوضى وحرية غير منضبطة وإسفاف وكذب وتدليس على مواقع التواصل الاجتماعي، يقابلها تضييق على الإعلام الورقي وهامش محدود من الحرية. وهذا التفاوت يدفع الناس إلى العزوف عن الصحافة الورقية والتوجه نحو الإعلام الرقمي.
وقلت له إن مواجهة هذا الواقع تقتضي رفع سقف حرية الصحافة الورقية، وتمكينها من تناول القضايا المحلية الساخنة. وباستطاعتكم، قلت له، أن تسرّبوا إلينا بعض القضايا، وأن تدافعوا من خلالنا عن قضايا أخرى؛ فقد يعود الناس بذلك إلى الصحافة الورقية، أو يشكّكون، على الأقل، في كل ما يقرؤونه على مواقع التواصل الاجتماعي.
وشدّدت على أن الصحافة الورقية صحافة وطنية جادّة ومحترفة، وأن المصلحة العامة تقتضي دعمها وتعزيز دورها. لكنه اكتفى بهزّ رأسه، من دون أن يجيب أو يعلّق. وكانت النتيجة لاحقًا مزيدًا من الدعم المالي والمعنوي، يقابله مزيد من التراجع في سقف الحرية!
أقصّ هاتين القصتين لأبيّن أن الحكومات المتعاقبة تتحمل جانبًا من المسؤولية عن واقع المشهد الإعلامي؛ فهي لم تعد قادرة على ضبط الإعلام الرقمي أو التأثير في نجومه بالأساليب الخشنة، في الوقت الذي أضعفت فيه إعلامها الوطني إلى حد كبير.
أما المتلقي، فعليه ألّا يتعامل مع كل ما يُنشر بوصفه حقيقة مسلَّمة، بل أن يتوقف ويسأل: هل القصة صحيحة أصلًا، أم أنها أداة لتصفية الحسابات والانتقام؟ وهل الوثائق المنشورة حقيقية، أم جرى اختلاقها أو تعديلها ببرامج الحاسوب؟ وحتى إن كانت صحيحة، فهل عُرضت في سياقها الكامل، أم انتُزعت منه لخدمة غرض معين؟ ومن يقف وراء نشرها؟ ومن المستفيد؟
وبرأيي، لم يفت القطار بعد، ولا يزال في الإمكان وضع الملف الإعلامي على رأس أولويات الحكومة، والتعامل معه بما يستحقه من جدية واهتمام.