اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

الاب رفعت بدر : القتل الرحيم بين التشريع والضمير

الاب رفعت بدر : القتل الرحيم بين التشريع والضمير
أخبارنا :  

عاد موضوع القتل الرحيم (Euthanasia) إلى واجهة النقاش الأوروبي بعد أن أقرت الجمعية الوطنية الفرنسية، في 15 تموز 2026، قانونًا يجيز "المساعدة على الموت" وقد تم التصويت بأغلبية بلغت 53.3% من النواب الحاضرين، حيث صوّت 291 نائباً لصالح القانون بينما عارضه 241 نائباً، لتنضم فرنسا إلى دول أوروبية سبقتها في هذا المجال، مثل هولندا وبلجيكا وإسبانيا ولوكسمبورغ والبرتغال.

 

ويتيح القانون الفرنسي، بعد مسار تشريعي طويل، للمريض البالغ المصاب بمرض خطير وغير قابل للشفاء وفي مرحلة متقدمة أو نهائية، والذي يعاني آلامًا لا يمكن تخفيفها، أن يطلب إنهاء حياته بمادة قاتلة، يتناولها بنفسه، أو تُعطى له من قبل طبيب أو ممرض إذا كان عاجزًا جسديًا عن ذلك. ويرى مؤيدو القانون أنه يكرّس حرية الإنسان وحقه في اختيار نهاية حياته بكرامة، بينما يحذر معارضوه من انعكاساته الأخلاقية والقانونية على حماية الأشخاص الأكثر ضعفًا.

أما هولندا، التي كانت أول دولة في العالم تشرّع القتل الرحيم عام 2001، فتقدم اليوم معلومات صادمة: فقد ارتفع عدد حالات القتل الرحيم خلال ربع قرن من أقل من ألفي حالة سنويًا إلى أكثر من عشرة آلاف حالة، أي نحو 6% من مجموع الوفيات. كما توسعت الحالات المشمولة لتتجاوز الأمراض المستعصية في مراحلها النهائية، فتشمل بعض حالات الخرف والاضطرابات النفسية، الأمر الذي دفع عددًا من الأطباء وخبراء الأخلاق إلى التحذير مما يسمى "المنحدر الزلق"، أي التوسع التدريجي في تطبيق القانون إلى حالات لم تكن واردة عند إقراره.

في المقابل، تؤكد الكنيسة الكاثوليكية موقفها الثابت بأنّ الحياة البشرية هي عطية مقدسة، من لحظة الحبل بالإنسان إلى لحظة مفارقته الحياة، ولا يملك أحد حق إنهاء حياته عمدًا، مهما اشتدت المعاناة. ويشدد التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية على أن القتل الرحيم يتعارض مع كرامة الإنسان وقدسية الحياة، مع التمييز الواضح بين إنهاء الحياة عمدًا وبين الإمتناع عن العلاجات غير المجدية أو غير المتناسبة، عندما لا يعود منها رجاء حقيقي في الشفاء.

لذلك وفي الأيام السابقة، أكد أساقفة فرنسا أن إقرار تشريع يجيز القتل الرحيم والإنتحار بمساعدة الغير يشكل تحولًا خطيرًا في تاريخ البلاد، معتبرين أنّه يبدّل نظرة المجتمع إلى الشيخوخة والمرض والإعاقة، ويقوّض الثقة بين المرضى والأطباء، ويهدّد الفئات الأكثر ضعفًا، ولا سيّما كبار السن الذين قد يشعرون بأنّهم أصبحوا عبئا على عائلاتهم.

وشدّد أساقفة فرنسا على أنّ البديل الحقيقي يكمن في مرافقة المرضى وتخفيف آلامهم لا في إنهاء حياتهم، معربين عن امتنانهم لكلّ من يخدم المرضى والمسنين وذوي الإعاقة، ومؤكدين أن الكنيسة ستواصل الدفاع عن كرامة كل حياة إنسانية، انطلاقًا من إيمانها بأنّ عظمة المجتمع تُقاس بقدرته على رعاية الأضعف حتى النهاية، لا بتسهيل الموت لهم.

ويعكس موقف أساقفة فرنسا تعليم الكنيسة الكاثوليكية الراسخ في هذا المجال، الذي لا يقتصر على رفض القتل الرحيم، بل يدعو إلى بديل إنساني يتمثل في تطوير الرعاية التلطيفية، وتخفيف الألم، والمرافقة الطبية والنفسية والروحية للمريض وعائلته. فكرامة الإنسان، في نظرها، لا تزول بالمرض أو الشيخوخة أو العجز، بل تبقى ملازمة له حتى لحظة موته الطبيعية.

إن النقاش حول القتل الرحيم لا يقتصر على الجانب القانوني، بل يطرح سؤالًا حضاريًا عميقًا: هل تقاس إنسانية المجتمعات بقدرتها على تسهيل الموت، أم بقدرتها على مرافقة المتألمين ومنحهم الأمل والرعاية حتى النهاية؟ إنه سؤال سيظل حاضرًا في ضمير الإنسانية، مهما اختلفت التشريعات.

ــ الراي


مواضيع قد تهمك