د. محمد عبد الحميد الرمامنة : مفتاح الصحة النفسية في العصر الرقمي
الصحة النفسية تتأثر بالأحداث التي نعيشها، وأصبحت تتشكل أيضًا بالبيئة الرقمية التي ترافقنا منذ لحظة الاستيقاظ. وتشير دراسات حديثة إلى أن نحو 48.4% من طلبة الجامعات يقعون ضمن فئة الاستخدام المفرط للتقنيات الرقمية، بينما يعاني 61.9% منهم من اضطرابات في جودة النوم، مع ارتفاع ملحوظ في معدلات القلق والاكتئاب والعزلة الاجتماعية. وهذه الأرقام تكشف أثر البيئة السيبرانية في تشكيل السلوك والانفعال ونمط الحياة.
من هنا يبرز مفهوم حوكمة البيئة السيبرانية بوصفه أحد المفاهيم الحديثة في علم النفس السيبراني. والمقصود به إدارة الفرد لبيئته الرقمية وفق قواعد يضعها بنفسه، بحيث تصبح التكنولوجيا جزءًا من حياته دون أن تستحوذ على انتباهه أو تستنزف طاقته النفسية. وهي ممارسة يومية تبدأ من ترتيب البيئة المحيطة، وتنتهي ببناء عادات رقمية تحافظ على التركيز والاتزان والرفاه النفسي.
وتظهر الحوكمة الشخصية في أبسط التفاصيل اليومية. فإبعاد الهاتف يمنح الأسرة فرصة لاستعادة الحوار، وترك الجهاز خارج غرفة النوم يساعد الدماغ على الدخول في دورة نوم أكثر استقرارًا، ووضع الهاتف بعيدًا أثناء الدراسة يخلق بيئة أكثر ملاءمة للتعلم. وهذه الإجراءات تبدو بسيطة، لكنها تعيد تشكيل البيئة التي يتكون فيها السلوك، ولذلك تكون آثارها أعمق من كثير من محاولات ضبط النفس التي تعتمد على الإرادة وحدها.
وتدعم الأدلة العلمية هذا التوجه. فقد أظهرت دراسة محكمة أجرتها جامعة تكساس في أوستن على نحو 800 مشارك أن مجرد وجود الهاتف الذكي في مجال الرؤية يخفض من كفاءة الذاكرة العاملة والقدرة على التركيز، حتى عندما يكون الجهاز صامتًا أو مغلقًا. وحقق المشاركون الذين وُضع الهاتف بعيدًا عنهم أفضل النتائج في الاختبارات المعرفية.
ويستطيع كل فرد أن يبتكر قواعده الخاصة. فالباحث قد يخصص ساعات للكتابة دون اتصال بالمنصات الاجتماعية، والطالب قد يعتمد مكانًا ثابتًا للدراسة يخلو من الهاتف، والأسرة قد تتفق على وقت يخلو من الشاشات، فيتحول الوقت إلى مساحة للحوار والقراءة والتفاعل المباشر. ومع تكرار هذه الممارسات تتكون عادات جديدة تمنح الانتباه فرصة للاستقرار، وتنعكس على جودة النوم، والإنتاجية، والعلاقات الاجتماعية.
لقد انشغل العالم خلال العقود الماضية بحوكمة المؤسسات والأنظمة، بينما أصبحت الحاجة اليوم تمتد إلى حوكمة البيئة السيبرانية التي يعيش الإنسان داخلها ساعات طويلة كل يوم. فالصحة النفسية في العصر الرقمي تتأثر بالطريقة التي نصمم بها بيئتنا الرقمية. وكل خطوة تقلل المشتتات، وتنظم استخدام التقنية، وتحمي الانتباه، تمثل استثمارًا مباشرًا في العقل والوجدان وجودة الحياة.
إن مستقبل الصحة النفسية يُبنى داخل البيوت، وعلى مكاتب الدراسة، وفي تفاصيل استخدامنا اليومي للتقنية. وهناك تبدأ حوكمة البيئة السيبرانية، باعتبارها ممارسة شخصية تمنح الإنسان القدرة على إدارة انتباهه، وصيانة توازنه النفسي، وبناء علاقة أكثر نضجًا مع العالم الرقمي.
ــ الراي