اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

محمود خطباطبة : البلديات.. من إدارة الخدمات لقيادة التنمية (3-1)

محمود خطباطبة : البلديات.. من إدارة الخدمات لقيادة التنمية (31)
أخبارنا :  

شرع مجلس النواب بمُناقشة مشروع قانون الإدارة المحلية لسنة 2026، حيث تحدث حول هذا الموضوع في أول جلسات دورته الاستثنائية تسعون نائبًا في قراءة أولية لمشروع القانون، قبل أن يُصوت على تحويله إلى اللجنة الإدارية النيابية.

 

بعد أول خطوة دستورية لإقرار «الإدارة المحلية»، وإحدى مراحل التحديث الإداري والسياسي، أصبحت هُناك ضرورة مُلحة لمُراجعة هيكل الإدارة المحلية، وإعطائه كُل الاهتمام، وضرورة الإنصات جيدًا لأصحاب الرأي والخبرة والكفاءة، ذلك كُله ليس بُغية تغيير الأسماء أو إعادة رسم الحدود الإدارية، وإنما لإعادة توزيع الصلاحيات والمسؤوليات بما يُحقق كفاءة أعلى في تقديم الخدمات، وبالتالي يعود بالنفع على المواطن.

وعلى الرغم من الحراك التشريعي ذلك، وما سينتج عنه، يبقى المواطن الأردني يُمنّي النفس، ويرفع من سقف تأمله، ألا يقتصر القانون الجديد على إصلاحات هيكلية، أقل ما يُقال عنها إنها تقليدية.. وبالتالي فإن العودة إلى نموذج «البلدية الشاملة»، أصبح مُهمًا إن لم يكن «الأهم»، بحيث تُصبح البلدية مُستقلة وقائدة للملفات الخدمية الكُبرى، بدلًا من بقائها مُجرد هيئات لتعبيد الشوارع والنظافة.

من هُنا، نقترح فكرة إنشاء اثنتي عشرة بلدية فقط في جميع مناطق المملكة، بحيث تكون بلدية واحدة لكُل مُحافظة من مُحافظات المملكة الاثنتي عشرة، تتولى إدارة شؤون المُحافظة التنموية والخدمية بصورة مُباشرة، فضلًا عن ضرورة أن تكون مسؤولة عن أهم القطاعات التي تمس حياة المواطنين اليومية، ونقصد هُنا: التعليم والصحة وشبكة النقل والمواصلات.

وللعلم فقط، فإن هذا النموذج ليس جديدًا على مُستوى العالم، فهو مُطبق في العديد من الدول الغربية التي منحت الحُكومات المحلية صلاحيات واسعة في إدارة التعليم والصحة والبنية التحتية، كما أن الأردن عرف في مراحل سابقة نماذج كانت فيها البلديات تضطلع بأدوار أوسع مما تقوم به اليوم.

عملية تحويل البلديات من مُجرد جهات خدمية تعتني بالنظافة والتنظيم، إلى حُكومات محلية مُصغرة تقود قطاعات التعليم والصحة والأشغال، هو المدخل الحقيقي للإصلاح الهيكلي والمالي.. فنجاح التنمية المُستدامة يرتبط بمدى قُدرة الإدارة المحلية على فهم احتياجات مُجتمعها وإدارتها بكفاءة، الأمر الذي يعني أن البلدية تُصبح المسؤولة الأولى والمُباشرة عن أهم ثلاثة محاور تنموية.

المحور الأول، التعليم: فبدلًا من بقاء التعليم مسؤولية مركزية بالكامل، تُصبح البلدية مسؤولة عن تجهيز المدارس، وإنشاء أُخرى جديدة، وإضافة غُرف صفية، بالإضافة إلى عمل الصيانة لكُل مرافق المدارس التي تقع ضمن نطاق جُغرافية البلدية أو المُحافظة، فضلًا عن تقدير الحاجة إلى تقسيم مُديريات التربية والتعليم، وتحديد احتياجاتها من مُعلمين ومُعلمات وإداريين، وفقًا لواقع كُل مُحافظة وخصوصيتها، مع الأخذ بعين الاعتبار الكثافة السكانية لكُل مُحافظة وبُعدها عن المركز، أو تلك التي تُعرف بمُحافظات الأطراف.

وينطبق الأمر نفسه على القطاع الصحي، حيث تؤول إدارة المُستشفيات والمراكز الصحية الشاملة والأولية إلى البلدية، والتي بدورها تتولى التخطيط العلمي والمنهجي لمعرفة حاجة المُحافظة الواحدة وقاطنيها من مُستشفيات ومراكز صحية، أكانت شاملة أم أولية، بالإضافة إلى تقدير احتياجاتها من أطباء ومُمرضين وصيادلة وإداريين، بما يضمن عدالة توزيع الخدمات الصحية وسرعة الاستجابة للنمو السكاني.

كما تمتد مسؤوليات البلدية إلى الأشغال العامة، فيقع على عاتقها الإشراف على تعبيد الطرق، وإنشاء أُخرى جديدة، وصيانتها، وإدارة المشاريع الهندسية، وتعيين المُهندسين والفنيين وبقية الكوادر اللازمة لإدارة هذه الملفات هندسيًا وإداريًا دون تداخل في الصلاحيات.

إن جمع هذه الاختصاصات في جهة واحدة داخل المُحافظة الواحدة، سيجعل عملية التخطيط أكثر تكاملًا، لأن التعليم والصحة والطُرق ليست قطاعات مُنفصلة، بل نستطيع القول إنها عناصر مُترابطة في منظومة التنمية المُستدامة، فعندما تُدار من خلال مؤسسة واحدة تمتلك رؤية شاملة، تُصبح الأولويات أكثر وضوحًا، وتزداد كفاءة الإنفاق، وتتحسن سرعة تنفيذ المشاريع.

هذا الاقتراح أو الفكرة ليس الهدف منها تقليص دور الدولة، وإنما إعادة توزيع الأدوار بين الحُكومة المركزية والإدارة المحلية، بحيث تتفرغ الوزارات لوضع السياسات الوطنية، بينما تتولى البلديات التنفيذ والمُتابعة وفق احتياجات كُل مُحافظة.. فعندما تُدمج هذه الصلاحيات السيادية تحت مظلة البلدية سينتهي عصر الهدر الإداري والتضخم الوظيفي في الوزارات المركزية.

مثل هذا التحول، إن جاز التعبير، يُعتبر خطوة مُهمة نحو إدارة أكثر كفاءة، وتنمية أكثر عدالة، وخدمات أقرب إلى المواطن، ما يضع الجميع أمام مسؤولية وطنية حقة، لوضع اللبنة الأساسية لمُستقبل الإدارة المحلية، فتمكين البلديات لم يعد ترفًا فكريًا، بل ضرورة اقتصادية وإدارية.


مواضيع قد تهمك