اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

العشي يكتب: مراكز الخدمات الحكومية تقلب المعادلة

العشي يكتب: مراكز الخدمات الحكومية تقلب المعادلة
أخبارنا :  

هل يقترب الأردن من نهاية زمن الطوابير والورق؟

حين يصبح احترام وقت المواطن ثقافة... تُولد الثقة بالدولة


بقلم الإعلامي الدكتور محمد العشي


ليست كل تجربة حكومية تنتهي بمجرد إنجاز معاملة، فبعض التجارب تترك انطباعًا يتجاوز الورق والإجراءات، لأنها تمس جوهر العلاقة بين المواطن والمؤسسة. فالمواطن لا يحكم على الخدمات من خلال الشعارات، بل من خلال لحظة يعيشها بنفسه؛ كم انتظر؟ كيف استُقبل؟ وهل وجد من يستمع إليه ويساعده؟


ومن هنا فإن الحديث عن تطوير الخدمات الحكومية ليس حديثًا عن أنظمة إلكترونية فقط، بل عن بناء ثقافة جديدة عنوانها احترام وقت المواطن، وتسهيل حياته، وتقديم الخدمة له بكفاءة وجودة تواكب تطلعاته.


وفي هذا السياق، تمثل مراكز الخدمات الحكومية إحدى التجارب المهمة في مسيرة تحديث القطاع العام في الأردن، من خلال تقديم نموذج يعتمد على جمع الخدمات في مكان واحد، وتبسيط الإجراءات، وتعزيز استخدام التكنولوجيا، بما يهدف إلى تحسين تجربة المواطن والارتقاء بمستوى الأداء الحكومي.


وخلال زيارتي إلى فرع المقابلين، أحد فروع مراكز الخدمات الحكومية، لمست عن قرب صورة مختلفة لمفهوم الخدمة العامة. لم تكن التجربة مجرد إنجاز معاملة، بل كانت تجربة عملية توضح كيف يمكن للتنظيم، والتكنولوجيا، والكفاءة البشرية أن تجتمع لصناعة خدمة أكثر سهولة وفاعلية.


منذ اللحظة الأولى، يلفت الانتباه مستوى النظافة، والترتيب، والانسيابية داخل الفرع. وهذه التفاصيل، رغم بساطتها، تحمل رسالة مهمة مفادها أن احترام المواطن يبدأ من البيئة التي تستقبله، وأن جودة الخدمة لا تبدأ عند الموظف فقط، بل تبدأ من المكان الذي تُقدم فيه.


كما أن التحول الرقمي أصبح عنصرًا رئيسيًا في تطوير هذه المنظومة، فالهدف من التكنولوجيا ليس مجرد استبدال الإجراءات التقليدية بأنظمة إلكترونية، بل اختصار الوقت، وتقليل الجهد، ورفع الدقة، وتحسين قدرة المؤسسات على تقديم خدمات أكثر سرعة ومرونة.


لكن مهما تطورت الأنظمة، يبقى الإنسان هو العنصر الأهم في نجاح أي مشروع حكومي. فالأنظمة الرقمية تحتاج إلى موظف مؤهل يمتلك المعرفة والمسؤولية وحسن التعامل، لأن المواطن في النهاية يتذكر طريقة التعامل معه بقدر ما يتذكر سرعة إنجاز معاملته.


وهذا ما لمسته في فرع المقابلين؛ حيث وجدت حرصًا واضحًا من الموظفين على مساعدة المراجعين، والإجابة عن الاستفسارات، والتعامل مع الملاحظات بروح إيجابية، والسعي إلى إيجاد الحلول المناسبة، بما يعكس مفهومًا حقيقيًا للخدمة العامة التي تقوم على المسؤولية والشراكة مع المواطن.


​ولم يقتصر هذا الاحترام على جودة المكان وحسن الاستقبال فحسب، بل امتد ليشمل مراعاة ظروف المواطنين واحتياجاتهم اليومية من خلال مرونة أوقات العمل التي أسهمت في تقليل الحاجة إلى مغادرة أماكن العمل لإنجاز المعاملات الحكومية.


كما تجلى البعد الإنساني بأبهى صوره في الاهتمام الخاص بكبار السن وذوي الهمم، عبر توفير مسارات ميسرة تضمن حصولهم على الخدمة بكل يسر وكرامة. ولا يمكن إغفال الأثر الاقتصادي والتنظيمي لجمع هذه الخدمات تحت سقف واحد، فقد أسهم ذلك بوضوح في تخفيف الاكتظاظ المروري في العاصمة وتقليل الضغط على بعض المقار الحكومية الرئيسية، ليرسل هذا التطور رسالة إيجابية للمستثمرين بأن الأردن يرسخ لبيئة أعمال عصرية تدعم التنمية.


وفي هذا الإطار، لا يمكن الحديث عن التحول الرقمي دون الإشارة إلى الدور المحوري الذي يلعبه تطبيق "سند"، بوصفه إحدى أهم المنصات الوطنية للتحول الرقمي والهوية الرقمية للمواطن. فالتكامل بين مراكز الخدمات الحكومية على أرض الواقع وتطبيق "سند" في الفضاء الرقمي يمثلان جناحي التحديث الإداري؛ حيث يتيح التطبيق الوصول إلى عدد من الخدمات والإجراءات الحكومية إلكترونيًا من أي مكان وفي أي وقت، بينما تقدم المراكز تجربة نموذجية متكاملة لمن تتطلب معاملاتهم أو تفضيلاتهم حضورًا شخصيًا، مما يضمن شمولية الخدمة ومرونتها لتناسب جميع فئات المجتمع.


إن احترام وقت المواطن ليس مجرد اختصار دقائق، بل هو قيمة إدارية وإنسانية. فكل وقت يتم توفيره على المواطن يعني رفع مستوى الثقة، وتحسين الإنتاجية، وتعزيز صورة المؤسسة الحكومية التي تدرك أن الوقت جزء من جودة الحياة.


ومن هذا المنطلق، أتقدم بخالص الشكر والتقدير إلى جميع موظفي فرع المقابلين على جهودهم، وحسن تعاملهم، والتزامهم بتقديم الخدمة بأعلى درجات المهنية، وما يقدمونه من نموذج يعكس أهمية الدور الذي يقوم به الموظف الحكومي في نجاح مسيرة التحديث.


كما أتوجه بجزيل الشكر إلى عطوفة السيدة ديما النهار، مديرة مديرية مراكز الخدمات الحكومية في وزارة الاقتصاد الرقمي والريادة، تقديرًا لجهودها في تطوير هذه المنظومة، ومتابعة مستوى الأداء، ودعم مسار التحول الرقمي، بما ينسجم مع التوجه الوطني نحو خدمات حكومية أكثر كفاءة واستجابة لاحتياجات المواطنين.


كما أتقدم بالشكر والتقدير إلى النقيب علاء الحويان، أحد ضباط إدارة الإقامة والحدود التابعة لمديرية الأمن العام، لما لمسته من تعاون ومهنية عالية، وحرص على سرعة إنجاز الإجراءات ضمن أعلى درجات المسؤولية، بما يعكس الدور المهم الذي تقوم به كوادر مديرية الأمن العام في تسهيل تقديم الخدمات.


وأخص بالشكر كذلك السيد عماد الحموز، مشرف فرع المقابلين، على متابعته المستمرة لسير العمل، وحرصه على معالجة الملاحظات، ودوره في المحافظة على مستوى الأداء وجودة الخدمة، بما ينعكس إيجابيًا على تجربة المراجعين.


إن نجاح مراكز الخدمات الحكومية لا يرتبط فقط بعدد الخدمات المقدمة، بل بقدرتها على بناء علاقة جديدة مع المواطن تقوم على الثقة والسهولة والشفافية. فالمواطن اليوم لا يبحث فقط عن إنجاز إجراء، بل يبحث عن تجربة يشعر خلالها بأن وقته محترم، وأن صوته مسموع، وأن المؤسسة تعمل من أجله.


ومع تقديرنا لما تحقق من خطوات إيجابية، فإن الطموح يجب أن يستمر نحو مرحلة أكثر تقدمًا، يتم فيها استكمال الربط الإلكتروني بين المؤسسات الحكومية، وتوسيع نطاق الخدمات الرقمية، والوصول إلى أرشفة إلكترونية شاملة تقلل الحاجة إلى الوثائق الورقية المتكررة.


إن الحكومة الرقمية الحقيقية لا تعني فقط غياب الورق، بل تعني غياب التعقيد، وتقليل الإجراءات غير الضرورية، وتقديم الخدمة للمواطن بطريقة استباقية وأكثر ذكاءً. فالمرحلة المقبلة يجب أن تتجه نحو خدمات تعرف احتياجات المواطن قبل أن يضطر إلى البحث عنها، ضمن منظومة آمنة ومتكاملة تحفظ البيانات وتوفر الوقت والجهد.


وفي النهاية، فإن الدول لا تُقاس فقط بحجم المشاريع التي تنفذها، بل بالطريقة التي يشعر بها المواطن أثناء تعامله مع مؤسساتها. وعندما يخرج المواطن من المؤسسة الحكومية وهو يشعر بأن وقته قد احترم، وأن خدمته أُنجزت بكفاءة، وأن هناك من يستمع إليه ويساعده، فإننا لا نكون أمام معاملة ناجحة فقط، بل أمام خطوة حقيقية في بناء الثقة.


وهنا تبدأ قصة النجاح الحقيقية... عندما تصبح خدمة المواطن ثقافة راسخة، لا مجرد إجراء.


مواضيع قد تهمك