د. طـارق سـامي خـوري : تيار الاستثمار في الانقسام
الفلسطيني ليس حالة إنسانية تنتظر شفقة أحد، ولا ضيفًا مؤقتًا يحتاج إلى شهادة حسن سلوك من أصحاب الخطاب الإقليمي. الفلسطيني صاحب قضية وحق وتاريخ، ومن يحمل الجنسية الأردنية هو مواطن كامل الحقوق والواجبات، لا يُختبر انتماؤه كل صباح، ولا يُختزل في أصل أبيه أو مكان ولادته.
أما الذين يخرجون علينا كلما ضاقت مصالحهم بشعارات «تيار التوطين» و«الوطن البديل»، ويستخدمون كلمة «اللاجئ» كشتيمة، فهم لا يدافعون عن الأردن، بل يتاجرون بالخوف ويستثمرون في الانقسام. هؤلاء لا يحمون الهوية الوطنية، وإنما يشوّهونها، لأن الهوية القوية لا تخاف من مواطنيها، والدولة الواثقة لا تحتاج إلى تقسيم شعبها إلى أصلي وطارئ، ولا إلى فرز الناس على أساس الأصول والمنابت.
إن تحويل الأردني من أصل فلسطيني إلى متهم دائم،و إلى مواطن تحت الاختبار، ليس وطنية، بل خطاب فتنة يشبه، في منطقه ووظيفته، الخطاب الصهيوني الذي يسعى إلى تفكيك الفلسطيني، ونزع صفته الوطنية، وتحويله إلى عبء ينبغي التخلص منه. والفرق أن الصهيوني يفعل ذلك دفاعًا عن مشروعه الاستعماري، بينما يردده بعضنا مجانًا، ثم يطالب بأن نصفق له باسم الوطنية.
من يروّج لـ«الوطن البديل» من دون دليل، ومن يلوّح بـ«التوطين» كلما أراد التحريض، ومن يتعامل مع كلمة «لاجئ» بوصفها إهانة، لا يحمي الأردن، بل يطعن وحدته الداخلية، ويقدّم خدمة سياسية مجانية لأعدائه. لأن أخطر ما يمكن أن يصيب الدولة ليس تعدد أصول مواطنيها، بل وجود من يصرّ على تحويل هذا التعدد إلى خنجر في جسدها.
الأردن ليس حصة مسجلة باسم جماعة، ولا الأردني من أصل فلسطيني مادة للابتزاز السياسي. الأردن وطن مواطنيه جميعًا، وفلسطين حق لا يسقط، واللاجئ ليس تهمة بل شاهد حي على جريمة اقتلاع لم تُغلق صفحاتها بعد.
لهؤلاء نقول… كفى عبثًا بعقول الناس، وكفى تجارة بالخوف، وكفى استثمار في البغضاء. من يريد حماية الأردن فليحمه من الفساد بانواعه والفقر والبطالة، لا من مواطنيه. ومن يريد مواجهة مشروع الوطن البديل، فليواجه الاحتلال الذي صنع اللجوء، لا اللاجئ الذي دفع ثمنه.
الوطن يكبر بالمحبة ويفنى بالبغضاء.
د. طـارق سـامي خـوري