اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

كريستين حنا نصر : ماكرون من دمشق: فرنسا تدعم سوريا لتصبح راعيًا إقليميًا لتنفيذ مشاريع كبرى

كريستين حنا نصر : ماكرون من دمشق: فرنسا تدعم سوريا لتصبح راعيًا إقليميًا لتنفيذ مشاريع كبرى
أخبارنا :  

الكاتبة : كريستين حنا نصر


تشكل زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق محطة سياسية وتاريخية لافتة، فهي أول زيارة لرئيس أوروبي إلى سوريا بعد التغيير السياسي الذي شهدته البلاد، كما أنها أول زيارة لرئيس فرنسي منذ زيارة الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي عام 2009، الذي حاول آنذاك إحياء مسار المفاوضات بين نظام بشار الأسد وإسرائيل، بالتوازي مع الترويج لمشروع "الاتحاد من أجل المتوسط"، إلا أن تلك الجهود لم تحقق نتائج ملموسة.


وتأتي زيارة ماكرون في ظل مرحلة انتقالية تعيد رسم ملامح الدولة السورية، حيث يقود الرئيس أحمد الشرع عملية إعادة بناء مؤسسات الدولة، بالتزامن مع مسار من الاتفاقات الأمنية التي يرى مراقبون أنها قد تمهد، مستقبلًا، لاتفاقات سياسية أوسع، من بينها احتمال التوصل إلى اتفاق سلام مع إسرائيل.


ولا يمكن فصل هذه الزيارة عن العلاقة التاريخية التي تربط فرنسا بسوريا منذ مرحلة الانتداب الفرنسي، الذي انتهى باستقلال سوريا عام 1946. فاليوم تعود باريس إلى دمشق، ولكن هذه المرة عبر بوابة الشراكة السياسية والاقتصادية، لا من بوابة النفوذ التقليدي.


وكانت فرنسا من أوائل الدول الأوروبية التي رحبت بالتغيير السياسي في سوريا، كما كانت أول دولة أوروبية تستقبل الرئيس أحمد الشرع في قصر الإليزيه خلال مايو/أيار 2025، في خطوة عكست رغبة فرنسية واضحة في بناء علاقة جديدة مع القيادة السورية.


وتحمل زيارة ماكرون رسائل سياسية متعددة، في مقدمتها توجيه تحية للشعب السوري تقديرًا لما تحمله من تضحيات ومعاناة طوال سنوات الحرب، والتأكيد على استعداد فرنسا لمرافقة سوريا في مرحلة إعادة بناء الدولة ومؤسساتها.


وعلى المستوى العملي، أعلنت باريس استعدادها لتوسيع التعاون مع دمشق في المجالات الدبلوماسية والسياسة والأمن والقضاء والاقتصاد والتجارة والقطاع المالي، إضافة إلى إعادة الإعمار.


وأكد الرئيس الفرنسي أن بلاده تسعى إلى إقامة شراكة اقتصادية شاملة مع سوريا تشمل قطاعات الطاقة والنقل والخدمات اللوجستية والطاقة المتجددة، مع التركيز على إعادة بناء البنية التحتية المالية والاقتصادية، بما يعيد ثقة المستثمرين ويشجع رؤوس الأموال الأجنبية على دخول السوق السورية.


ومن المنتظر أن يتم تنفيذ هذه المشاريع عبر الوكالة الفرنسية للتنمية، إلى جانب المؤسسات المالية والمصارف والشركات الفرنسية، مع التركيز على إعادة تأهيل القطاع المصرفي السوري باعتباره أحد أهم مفاتيح التعافي الاقتصادي.


وفي الوقت نفسه، حافظ ماكرون على موقف فرنسي واضح تجاه الحكومة الانتقالية، مؤكدًا أن باريس "لا تمنح السلطة الحالية شيكًا على بياض"، وأن نجاح الشراكة مرتبط بمدى التزام دمشق بالإصلاحات المطلوبة.


ومن أبرز نتائج التقارب السوري الفرنسي توقيع عقد يمتد ثلاثين عامًا مع مجموعة CMA CGM الفرنسية، ثالث أكبر شركة شحن حاويات في العالم، لتطوير وتشغيل ميناء اللاذقية باستثمارات تبلغ 230 مليون يورو، في خطوة تهدف إلى تحويل الميناء إلى مركز بحري إقليمي ودولي.


غير أن الجانب الاقتصادي ليس وحده حاضرًا في أجندة الزيارة، إذ حمل ماكرون معه مجموعة من الرسائل السياسية المتعلقة بمستقبل الدولة السورية، وفي مقدمتها احترام الحريات العامة، وترسيخ مبدأ التعددية السياسية، وصون حقوق جميع مكونات المجتمع السوري، وضمان مشاركة المرأة، وحماية الأقليات، وتعزيز دولة القانون.


كما احتل ملف مكافحة الإرهاب موقعًا متقدمًا في المحادثات، ولا سيما مواجهة تنظيم داعش، حيث أكد ماكرون أن استقرار سوريا هو الشرط الأساس لعودة ملايين السوريين إلى وطنهم والمشاركة في إعادة الإعمار.


ومن الملفات الأساسية أيضًا العدالة الانتقالية، التي ترى باريس أنها يجب أن تشمل التحقيق في جميع الانتهاكات التي ارتُكبت خلال سنوات الحرب، بدءًا من الجرائم المنسوبة إلى نظام بشار الأسد، بما فيها استخدام الأسلحة الكيميائية والتعذيب والانتهاكات داخل السجون، وصولًا إلى أي انتهاكات شهدتها المرحلة الانتقالية، بما فيها الجرائم التي استهدفت الأقليات، وأحداث الساحل السوري والسويداء، وتفجير الكنائس. فالعدالة، وفق الرؤية الفرنسية، ينبغي أن تكون أساس المصالحة الوطنية وبناء الدولة الجديدة.


وتحتفظ فرنسا بدور تاريخي خاص في سوريا ولبنان، خصوصًا فيما يتعلق باهتمامها بالأقليات الدينية، إضافة إلى اهتمامها باستقرار الحدود السورية اللبنانية، وهو ما يمنح هذه الزيارة بعدًا إقليميًا يتجاوز العلاقات الثنائية.


وتأتي هذه التحركات أيضًا في سياق إعادة رسم موازين القوى في الشرق الأوسط، بالتوازي مع الحسابات الأمريكية والدولية، حيث تسعى باريس إلى استعادة حضورها السياسي والاقتصادي في المنطقة، وتعزيز شراكاتها مع كل من سوريا ولبنان.


أما اقتصاديًا، فقد شهدت دمشق لقاءات جمعت مسؤولين ورجال أعمال ومستثمرين من البلدين، تمهيدًا لتوقيع اتفاقيات جديدة في قطاعات الاستثمار والطاقة والبنية التحتية والخدمات، بما يؤسس لمرحلة جديدة من العلاقات الاقتصادية السورية الفرنسية.


وأكد ماكرون أن فرنسا ستواصل دعمها لسوريا الحرة، الآمنة، المستقلة وذات السيادة، مشيرًا إلى أن رفع العقوبات الأوروبية يمثل بداية مرحلة جديدة أمام الاقتصاد السوري، وأن باريس لعبت دورًا فاعلًا في هذا المسار، وتسعى إلى دعم سوريا لتصبح مركزًا إقليميًا لتنفيذ المشاريع الكبرى في المنطقة.


وضم الوفد الفرنسي عددًا من كبار المستثمرين وممثلي الشركات الفرنسية، من بينها شركة TotalEnergies، في مؤشر واضح على وجود اهتمام فرنسي متزايد بالسوق السورية.


وفي السياق ذاته، برز الحديث عن احتمال وجود مظلوم عبدي في دمشق، بعد زيارته السابقة إلى باريس، بما يعكس استمرار اهتمام فرنسا بالدور الكردي في المشهد السوري، وبقوات سوريا الديمقراطية باعتبارها شريكًا أساسيًا في مكافحة تنظيم داعش، إلى جانب دورها في تنفيذ اتفاقات الدمج مع الحكومة السورية.


كما أثار تأجيل الاجتماع البرلماني السوري تساؤلات عديدة، في ظل وجود ملاحظات فرنسية ودولية بشأن آلية تشكيل البرلمان، مع دعوات إلى تمثيل جميع المكونات السياسية والدينية والاجتماعية للشعب السوري.


ورغم الانفجارين اللذين وقعا بالقرب من مكان إقامة الرئيس الفرنسي في دمشق، فإن الزيارة استمرت، في رسالة واضحة بأن الاعتبارات الأمنية لن تعرقل مسار الانفتاح السياسي والاقتصادي بين البلدين.


ومن أبرز نتائج الزيارة إعلان فرنسا تقديم دعم مالي لمصرف سوريا المركزي، إضافة إلى إعادة 51 مليون يورو من الأموال المصادرة سابقًا، والتي تعود إلى ممتلكات رفعت الأسد، في إطار دعم المؤسسات الاقتصادية السورية.


وفي المحصلة، تبدو العلاقات السورية الفرنسية أمام مرحلة جديدة عنوانها الشراكة السياسية والانفتاح الاقتصادي. وبين دعوة الرئيس أحمد الشرع للاستثمار في سوريا، وإعلان الرئيس إيمانويل ماكرون عودة الشركات الفرنسية إلى السوق السورية، تتجه باريس إلى لعب دور فاعل في إعادة إعمار سوريا، وفي دعم تحولها إلى مركز إقليمي لتنفيذ المشاريع الكبرى، بما قد يفتح صفحة جديدة في علاقات البلدين وفي مستقبل المنطقة بأسرها.


مواضيع قد تهمك