موفق ملكاوي : قراءة عالم اليوم بمنظور القرن العشرين
في سعيها لإثبات وجودها على الساحة، تواظب كثير من القوى على تقديم قراءاتها الخاصة للصراع في المنطقة والعالم، وحسابات موازين القوى، وطبيعة التحالفات القائمة أو التي قد تنشأ مستقبلا. لكن تلك القراءات لا تقدم أي جديد، وتمارس نوعا من التضليل الصادر عن الجهل والهوى، كونها ما تزال تصر على استدخال كثير من الأدبيات التي لم تعد موجودة أساسا.
بريطانيا العطمى، والخلافة العثمانية، ومفهوم الحلفاء، كلها مصطلحات ما تزال تعج بها كثير من الأدبيات الحزبية التي تسعى لإثبات وجودها عبر "عقم" فكري واضح، واضعة نفسها بمواجهة الدولة الوطنية، لأسباب ما تزال معلقة على فهم المؤسسين الأوائل، والذين قرأوا الصراع وطبيعته خلال فترة مطلع ومنتصف القرن العشرين، من دون أي تحديثات تذكر على ضوء الأحداث والتغيرات.
القوى الدينية ليست وحدها من يمارس التضليل المقنع والإفلاس الفكري، فسنجد الأمر نفسه لدى قوى قومية ويسارية ما تزال تحتفظ بأفكارها "المعلبة"، من دون أن يجري كثير منها أي مراجعات حقيقية للأفكار والمبادئ التي وضعها المؤسسون في فترة تختلف اشتراطاتها عما نعيشه في المنطقة منذ عقدين أو ثلاثة.
بعض هذه النماذج من الجمود الفكري لا يمكن التعامل معه بحسن نية أحيانا، إذ يتخفى أصحابه وراء "تقية" تبدو دينية أو قومية، لممارسة قناعات أو "جبريات فكرية" يسقطونها على الواقع. كثير منهم لجأوا إليه لأسباب تتعلق بفرز من نوع ما طغى على فكرهم، لكنهم "أراحوا" ضمائرهم حين علقوه على الفهم الديني والقومي والإنساني، ومن دون أن يضطر كثير منهم إلى مواجهة نفسه لاستكشاف الأسباب الداخلية التي جعلته يختار مساره الفكري، والتي لا تمت بأي صلة لمحاولات الوصول إلى الحقيقة.
المرحلة الناصرية، والتي أفرزت كثيرا من الكوارث على الأمة العربية، ما يزال مريدوها "يبشرون" بأنها المرحلة الذهبية للقومية العربية. ورغم أنها تعرضت لنقد واسع من قبل قوى فكرية وسياسية من اليسار والماركسيين والإسلاميين، بسبب القمع والبيروقراطية وغياب الديمقراطية والمؤسسية، والتنكيل بالخصوم، وغيرها من الانتقادات، إلا أن ذلك لم يؤثر في بنية هذا الفكر لدى أصحابه، فلا مراجعات حقيقية أو نقد لتلك المرحلة حتى اليوم.
جماعة الإخوان المسلمين المحظورة أردنيا، وجه آخر للجمود الفكري، فرغم أنها عمدت لمراجعات معينة، وطورت في هيكلها التنظيمي وبعض أفكارها، لكنها حتى اليوم لم تجر مراجعات لأفكار أبرز منظريها، والذين أنتجوا أفكارا جعلت الحركة تسقط في فخ التطرف، وأفرزت تنظيمات مسلحة انتهجت العمل العسكري والإرهاب داخل كثير من البلدان العربية.
"حزب التحرير" المحظور الذي أسسه تقي الدين النبهاني، ظل محافظا على نصوص مؤسسه وأفكاره الأساسية، ومتمسكا باستئناف الحياة الإسلامية وإقامة الخلافة، ورفض الدولة القطرية الحديثة بوصفها نتاجا للاستعمار، واعتبار التغيير الحقيقي تغييرا شاملا لا إصلاحا متدرجا من داخل الدولة القائمة. كتب النبهاني الأساسية مثل "نظام الإسلام"، "نظام الحكم في الإسلام"، و"التكتل الحزبي"، ما تزال تشكل المرجعية الفكرية الأساسية للحزب، في حين حصلت تعديلات في التفاصيل والاجتهادات الفرعية، لكنها لم تمس جوهر المشروع الفكري أو السياسي للحزب.
الحزب يرفض أن يجري مراجعات حول المجتمع الحديث، وتطور طبيعة الصراع في المنطقة والعالم، والأسباب الحقيقية للنكبة، وكيفية بدء المشروع الاستيطاني اليهودي في فلسطين، على ضوء وثائق الأرشيف العثماني نفسه، وظل متمسكا بـ"سردية النبهاني" التي تلبي لكثير من المريدين جانبا مهما من سرديتهم الخاصة التي أرادوا أن يعززوها، بينما لا تعنيهم الحقيقة في شيء. وبذلك، حافظ الحزب على السردية والمقولات والتصور التاريخي للصراع من منظور النبهاني، من دون أن يفطن أحد إلى أن مثل هذه النصوص هي نتاج بشري يمكن أن يدخل عليها كل ما يعكر صفو الحقيقة.
التكلس الفكري، ظاهرة شائعة في المجتمعات التي ترفض مغادرة متردم الماضي للتفكير في سياقات تشبه حاضرها، وهو مطلب لا ينسف الثوابت، وإنما يقوم على تكريس العقل الذي أصر الإسلام على احترامه وإبرازه كقيمة عليا عند الإنسان، لا أن نضعه في إطار أنيق، ونعلق عليه "خرزة زرقاء" خشية أن "تصيبه العين".