سيف الله حسين الرواشدة : حين تصبح الأسرة رهناً للأمل
في كل بيت أردني تقريباً، ثمة حوار يتكرر بصيغ مختلفة، فهناك أم تسأل ابنها: "متى نفرح فيك؟”، فيبتسم ويغيّر الحديث، وهنالك كذلك أب يطمئن ابنته بأن الأيام ستتحسن، بينما يعرف في داخله أن الطريق أصبح أطول مما كان عليه سابقا في جيله.
المسألة لم تعد عزوفاً عن الزواج كما يقال أحياناً، ولا تبدلاً في القيم كما يظن البعض، المسألة ببساطة أن الطريق إلى الأسرة أصبح أكثر وعورة، وأن ما كان قبل سنوات قراراً طبيعياً، بات اليوم يحتاج إلى حسابات معقدة لا تنتهي.
الأرقام تقول الكثير، لكنها لا تقول كل شيء، ففي ستينيات القرن الماضي كانت المرأة الأردنية تنجب، في المتوسط، أكثر من سبعة أطفال، أما اليوم فقد اقترب المعدل من 2.6 طفل، والمشهد نفسه يتكرر، بدرجات متفاوتة، في معظم الدول العربية، فيما وصلت بعض الدول إلى مستويات تقترب من الإحلال السكاني أو انخفضت دونه.
هذه ليست مجرد ظاهرة ديمغرافية، بل انعكاس لتحول أعمق في علاقة الإنسان بالمستقبل، فالأسرة لا تبدأ بقرار الإنجاب، وإنما تبدأ بالإحساس بالأمان، وحين يتراجع هذا الإحساس، يصبح كل شيء قابلاً للتأجيل.
لسنوات طويلة، انشغل خطابنا العام بالتحذير من الزيادة السكانية والدعوة إلى تنظيم الأسرة، حتى بدا وكأن كثرة الناس هي المشكلة الكبرى، لكن الزمن تغيّر، بينما بقيت بعض الأفكار في مكانها. واليوم، نجد أنفسنا أمام تحدٍ مختلف تماماً؛ ليس كيف نقلل عدد المواليد، بل كيف نحافظ على حيوية المجتمع وقدرته على تجديد نفسه.
الشاب الذي ينتظر سنوات ليحصل على وظيفة مستقرة، ويواجه أسعار مساكن تبتعد كل عام، ويراقب كلفة المعيشة وهي ترتفع بلا توقف، لا ينظر إلى الزواج بوصفه بداية حياة، بل بوصفه التزاماً قد يعجز عن الوفاء به، ليس لأنه لا يريد أن يؤسس أسرة، بل لأنه يخشى أن يعجز عن حمايتها.
التجارب الدولية لا تقدم كثيراً من الطمأنينة، فاليابان وكوريا الجنوبية وعدد من الدول الأوروبية تنفق اليوم مليارات الدولارات على الحوافز المالية، وإجازات الأمومة والأبوة، والدعم السكني، في محاولة لرفع معدلات الإنجاب، ومع ذلك، ما تزال النتائج محدودة، لأن المشكلة لا تُحل بالمال وحده، فالإنسان لا ينجب لأنه تلقى دعماً مالياً، بل لأنه يؤمن بأن هناك مستقبلاً يستحق أن يورثه لأبنائه.
في الأردن، وربما في معظم العالم العربي، نحن بحاجة إلى أن ننظر إلى الأسرة بطريقة مختلفة، ليس باعتبارها ملفاً سكانياً، ولا عبئاً على الموازنة، وإنما باعتبارها الاستثمار الأهم في استقرار المجتمع. فالاقتصاد القوي يحتاج إلى أسرة قوية، كما تحتاج التنمية إلى إنسان يشعر بأن الغد يحمل له فرصة، لا عبئاً جديداً.
ربما لا يكون أخطر ما تكشفه أرقام الخصوبة هو تراجع عدد المواليد، بل تراجع الثقة نفسها، لأن المجتمع الذي يخاف شبابه من البدء، لن تكون مشكلته في عدد الأطفال فقط، وإنما في مقدار الأمل الذي بقي لديه.
وفي النهاية، لا تبدأ الأوطان من الموازنات العامة، ولا تنتهي عند معدلات النمو. إنها تبدأ من بيت يقرر شاب وفتاة أن يبنياه بثقة، ومن طفل يولد لأن والديه آمنا أن الغد، رغم كل شيء، يستحق أن يُستقبل بالحياة، وحين يصبح هذا القرار نفسه محل تردد، فإن القضية لم تعد قضية أسرة فقط، بل قضية وطن يبحث عن يقينه.
ــ الراي