اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

سارة طالب السهيل : القطاع الخاص ورؤية التحديث الاقتصادي شراكة تصنع المستقبل (3-4)

سارة طالب السهيل : القطاع الخاص ورؤية التحديث الاقتصادي شراكة تصنع المستقبل (34)
أخبارنا :  

أن أهم ما يميز رؤية التحديث الاقتصادي أنها لا تنظر إلى القطاع الخاص بوصفه ممولًا للمشروعات فحسب، بل شريك في صياغة الأولويات الاقتصادية، وتحديد احتياجات السوق، والمساهمة في تقييم نتائج السياسات. وإذا نجح هذا النهج في ترسيخ علاقة قائمة على الثقة، والمسؤولية المشتركة، والمصارحة، فإنه سيشكل أحد أهم عوامل نجاح الرؤية خلال السنوات المقبلة.

 

إذا كان نجاح أي رؤية اقتصادية يقاس بقدرتها على تحريك عجلة الاستثمار والإنتاج، فإن التجربة الأردنية تقدم نماذج تؤكد أن القطاع الخاص يمتلك من الكفاءة والخبرة ما يؤهله للقيام بدور أكبر في المرحلة المقبلة. فقد أثبتت شركات وطنية، رغم محدودية الموارد والتقلبات الإقليمية، أن المنافسة في الأسواق العالمية ليست حكرًا على الاقتصادات الكبرى، وإنما هي ثمرة الاستثمار في المعرفة، والجودة، والإدارة، والابتكار.

وتشير البيانات الاقتصادية إلى أن القطاع الخاص يسهم بما يزيد على ثلثي الناتج المحلي الإجمالي، ويستوعب غالبية العاملين في المملكة، كما تمثل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة أكثر من 95% من إجمالي الشركات المسجلة، وهي أرقام تكشف أن مستقبل الاقتصاد الأردني لا يرتبط فقط بالشركات الكبرى، بل يعتمد بصورة كبيرة على قدرة هذه المؤسسات على النمو والاستمرار والتوسع.

ويعد قطاع الصناعات الدوائية أحد أبرز الأمثلة على ذلك. فقد استطاعت شركة الحكمة للصناعات الدوائية أن تتحول، خلال عقود قليلة، من شركة أردنية إلى واحدة من أبرز شركات الدواء في المنطقة، مع حضور واسع في أسواق أوروبا والولايات المتحدة والشرق الأوسط. وما يلفت الانتباه في هذه التجربة أن نجاحها لم يقم على انخفاض كلفة الإنتاج، بل على الاستثمار في البحث والتطوير، والالتزام بالمعايير التنظيمية العالمية، وبناء شراكات طويلة الأمد.

وفي تقديري، فإن الدرس الذي تقدمه "الحكمة" يتجاوز حدود قطاع الدواء؛ فهو يؤكد أن الاقتصاد الأردني يستطيع المنافسة عندما ينتج معرفة، لا عندما يكتفي بإنتاج سلعة تقليدية. فالقيمة المضافة في الاقتصاد الحديث لم تعد تقاس بعدد المصانع فقط، بل بما تنتجه من ابتكار، وما تمتلكه من قدرة على دخول الأسواق العالمية.

وينطبق الأمر ذاته على قطاع تكنولوجيا المعلومات، الذي أصبح خلال السنوات الأخيرة أحد أكثر القطاعات نموًا في الأردن. فقد نجحت شركات وطنية، مثل Estarta Solutions وOptimiza، في بناء حضور إقليمي وعالمي، مستفيدة من الكفاءات الأردنية في البرمجيات، والأمن السيبراني، والحوسبة السحابية، والذكاء الاصطناعي، والخدمات الرقمية.

ولعل ما يميز هذا القطاع أنه يثبت حقيقة كثيرًا ما يغفلها النقاش الاقتصادي، وهي أن الدول محدودة الموارد ليست مضطرة لأن تكون محدودة الفرص. فالاقتصاد الرقمي لا يحتاج إلى ثروات طبيعية ضخمة، بقدر حاجته إلى تعليم نوعي، وبنية تحتية رقمية، وتشريعات مرنة، وبيئة تشجع الابتكار. ولذلك أرى أن الاستثمار في التكنولوجيا لم يعد خيارًا بين خيارات متعددة، بل أصبح أحد أكثر المسارات واقعية لاقتصاد مثل الاقتصاد الأردني.

كما شهد القطاع الصناعي تطورًا ملحوظًا بفضل توسع المدن الصناعية والمناطق التنموية، التي أسهمت في استقطاب استثمارات جديدة، وزيادة الصادرات الوطنية، وتوفير فرص عمل في مختلف المحافظات. أصبحت منظومات اقتصادية متكاملة تجمع بين البنية التحتية، والخدمات اللوجستية، والبيئة التنظيمية المناسبة.

فإن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من التركيز على إنشاء المناطق الصناعية فقط، إلى التركيز أيضًا على رفع إنتاجية المصانع القائمة، وربطها بصورة أكبر بالأسواق الخارجية، لزيادة حجم القيمة المضافة التي تنتجها، وقدرتها على المنافسة في الأسواق الدولية.

وفي المقابل، بدأت قطاعات جديدة تفرض حضورها ضمن أولويات الاقتصاد الوطني، وفي مقدمتها الاقتصاد الأخضر والطاقة المتجددة. فقد أصبح الأردن من الدول العربية المتقدمة في مشاريع الطاقة الشمسية، مستفيدًا من ارتفاع معدلات الإشعاع الشمسي، كما بدأت مشاريع الهيدروجين الأخضر تستقطب اهتمام المستثمرين العالميين، وهو ما قد يفتح بابًا لصناعات جديدة خلال السنوات المقبلة إذا استمرت الإصلاحات، وتوافرت البنية التشريعية المناسبة...يتبع الجزء الرابع والاخير


مواضيع قد تهمك