حاتم النعيمات : بيئة دولية جديدة تفرضها واشنطن
لم تعد شعارات نشر الديمقراطية أو حماية القيم الليبرالية مستخدمة كما في السابق من قبل الولايات المتحدة، بل أصبح الكشف عن الأهداف والمصالح صراحة وبدون تجميل هو السائد في صياغة الخطاب الأمريكي، وبشكل يقلل مساحات حركة الدول التي تتبنى شعارات السلام والاستقرار.
النهج الامريكي الجديد يسعى إلى خلق بيئة دولية مختلفة يعتمد فيها الحلفاء والاصدقاء على أنفسهم أكثر، بينما يراوح المنافسون والأعداء مكانهم مجبرين على التماهي معه لكن بدرجات متفاوتة؛ فالجميع أصبح رأسماليًا لكن بمستويات مختلفة: مثلًا، الصين دولة شيوعية لكنها مرتبطة بالسوق العالمي وفيها شركات ضخمة، روسيا لم يكفها تغيير جلدها الاقتصادي بعيد انهيار الاتحاد السوفيتي بل هي مطالبة اليوم بانفتاح أكثر تحت وطأة الاستنزاف والعقوبات، دول أوروبا والشرق الأوسط تتعامل مع التّخلي الأمريكي بتنويع التحالفات والسعي إلى تكتلات تضامنية من نمط فريد لكن ضمن التدريج الجديد.
الأردن يمثل نموذجًا مختلفًا في هذا الوضع؛ إذ اعتمدنا خلال العقود الماضية على علاقة استراتيجية مع واشنطن، مع الحفاظ على مساحة مستقلة في اتخاذ المواقف المرتبطة بمصالحها الوطنية، فقد اختلف الأردن مع سياسات أمريكية في ملفات عديدة (صفقة القرن، التهجير، تصفية القضية الفلسطينية على حسابه..)، لكنه حافظ في الوقت نفسه على قنوات اتصال قوية مع مؤسسات صنع القرار الأمريكية.
قد تكون فكرة القطبية الصريحة قد انتهت عالميًا، وهذا يفرض على الدول والتيارات السياسية مراجعة قواميسها السياسية وخططها الداخلية والخارجية للخروج من ثنائية الثقة المطلقة أو العداء المطلق لواشنطن.
سلوكات إيران وإسرائيل الحالية هي مجرد بقايا أو مخلفات من النظام القديم، لذلك يتم التعامل معهما بهذه الحدية: إيران بالحرب وتغيير عقلية النظام أو النظام نفسه، وإسرائيل بالتحجيم والضبط بشكل غير مسبوق، لكن في المحصلة ستعاد صياغة العالم والمنطقة والرابح هو الذي يرصد التغيرات ويخطط بناءً عليها.