اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

د. محمد بزبز الحياري : واشتعل الرأس شيبًا

د. محمد بزبز الحياري : واشتعل الرأس شيبًا
أخبارنا :  

﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾، صدق الله العظيم، هذه الآية التي وردت بسورة مريم على لسان زكريا عليه السلام، ليست مجرد وصف لتقدم العمر، بل تصوير بليغ للحياة وهي تترك آثارها على الإنسان، وتجربة تختزل رحلة طويلة من الكفاح والأمل والانكسار والنضج والنجاح والفشل.


حين يشتعل الرأس شيبًا، لا يعني أن الحياة قد انطفأت، بل أضاءت صاحبها ( ومن حوله) بخبرات لا تُشترى، ودروس لا تُكتسب إلا عبر الزمن، فالشيب ليس لونًا يغزو الشعر، وإنما سجلٌّ صامتٌ لأيام مضت، وليالٍ لم يغمض جفن صاحبها من أجل أسرته، أو وطنه، أو علمه....أو حلمه.


وفي مجتمعاتنا العربية، كان الشيب يومًا رمزًا للوقار والحكمة، وكان كبير السن ملاذا للرأي الصائب، وأنيس الحكمة قبل اتخاذ أي قرار. أما اليوم، فقد غلبت ثقافة السرعة والاندفاع، وركنت للتكنولوجيا وأدواتها ( مع الاعترف باهميتها) وأصبح كثيرون يقيسون القيمة بالقفزات المتتالية التي قد تكون احيانا خبط عشواء نحو المجهول، دون تمحيص لما مضى، ودون تدبير لما هو آت، متناسين أن الأمم التي تهمل خبرة شيوخها تضطر إلى إعادة أخطاء الماضي ولكن .....بثمن أكبر .


إن الإنسان لا يكبر حين يشيب شعره، بل حين يفقد شغفه، أو يتخلى عن رسالته، فكثير من العظماء بلغت إسهاماتهم ذروتها في مراحل متقدمة من أعمارهم، لأن التجربة كانت قد صقلت عقولهم، ومنحتهم رؤية أعمق للأمور، فالعمر لا يضيف سنوات فحسب، بل يضيف منظورًا اشمل وٱفقا اوسع.


لعل أجمل ما في دعاء نبي الله زكريا أنه لم يكن شكوى من الشيخوخة، بل كان اعترافًا بضعف الجسد، مع يقين كامل برحمة الله وقدرته. فقد جمع بين الواقعية والأمل، وبين الإقرار بحدود الإنسان وقدراته والثقة بالله، وهي رسالة يحتاجها كل من يظن أن تقدّم العمر نهاية العطاء.


إن المجتمعات التي تحترم كبارها، وتستثمر خبراتهم، هي مجتمعات أكثر توازنًا واستقرارًا، فالشباب يملكون الطاقة والاندفاع، بينما يملك الشيوخ البصيرة والحكمة، ولا يكتمل بناء الأمم إلا إذا التقت الطاقة بالحكمة.


وهكذا، فإن اشتعال الرأس شيبًا ليس إعلانًا بانتهاء الرحلة، بل شهادة على أن صاحبها قد عبر محطات كثيرة، واكتسب من كل محطة درسًا. وقد يبهت لون الشعر يوما ما، لكن تبقى قيمة الإنسان فيما تركه من أثر، وما غرسه من قيم، وما قدّمه من خير، فليس الشيب ما يظهر على الرأس، وإنما ما يضيء العقل، ويهذب النفس، ويجعل الإنسان أكثر رحمةً، وأعمق فهمًا، وأقرب إلى الحكمة.



مواضيع قد تهمك