اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

فلحة بريزات : تسعون دقيقة تجمع ما فرقته سنوات القمم

فلحة بريزات : تسعون دقيقة تجمع ما فرقته سنوات القمم
أخبارنا :  

* ​حين تعجز السياسة... تنتصر الرياضة


​يُقال إن للرياضة لغة إنسانية تتجاوز حواجز الاختلاف؛ فمهما تعددت الثقافات، وتنافرت المواقف الرسمية، لا تكتفي الرياضة بتكريس قيم العمل الجماعي فحسب، بل تملك من التأثير ما يجعلها تختصر المسافات، وتحقق ما عجزت عنه طاولات المفاوضات. وما يستحق التأمل حقاً ليس فقط ما يحدث داخل المستطيل الأخضر ومتابعة الساحرة المستديرة، بل ما يحدث خارجه أيضاً؛ فكيف يُفسر هذا التلاحم الشعبي خلف أي منتخب يصنع إنجازاً في المحافل الدولية؟ ولماذا يُحتفى بالنجاحات العربية وكأنها تجسيد لأحلام الأمة بأسرها، لا مجرد إنجازات تقتصر على حدود دولة بعينها؟

قد يرى البعض في الرياضة «متنفساً أخيراً» للشعوب في ظل ضيق فضاءات التعبير العام، وتفاقم الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية؛ وهو تحليل يلامس جانباً من الحقيقة، إذ يمنح الإنجاز الرياضي الجماهير لحظة نادرة من التناغم الوجداني، ويعيد إليها بصيصاً من الثقة والأمل، ولو لسويعات قليلة. غير أن هذا التفسير يظل قاصراً عن الإحاطة بماهية ظاهرة هذا التلاحم؛ فلو كانت الرياضة مجرد وسيلة للهروب من الواقع، لما تجلى هذا التضامن مع ما أصاب الأمة من جراحات وويلات، بفعل السياسة وصناعها.

فالسياسة -بحساباتها المعقدة للربح والخسارة، وتوازنات المصالح، وبما ترزح تحته من ضغوطات دولية تُغلّ أيدي الدول وتحد من استقلالية قراراتها- تظل أسيرة لملفات الخلافات والتحالفات الضيقة. وعلى النقيض، تنبع الرياضة من تلقائية المشاعر وفرح المشاركة، لتخاطب وجدان الناس مباشرة؛ فتثبت أن العروبة ليست بحاجة إلى اتفاقية مسطورة وموسومة، أو بيان رسمي جاف، بل هي تجلٍّ حي لهوية جامعة أعمق من حسابات الساسة.

إن مشهداً كحمل مدرب «الفراعنة» لعلم فلسطين لم يكن مجرد تصرف عابر، بل انعكاساً لوعي شعبي يتجاوز حدود المنافسة الرياضية، ليجسد روابط التاريخ والمصير المشترك. لقد تحولت تلك اللحظة إلى تعبير عن وجدان شعبي حي، يبرهن على أن الأواصر بين الشعوب تتجاوز ميادين الرياضة، لتغدو حقيقة متجذرة في وجدان وبصيرة الملايين.

ولعل أكثر المفارقات إيلاماً في واقعنا العربي أن كرة تتدحرج على عشب ملعب تستطيع أن تجمع ما عجزت عن لمّ شتاته طاولات السياسة؛ ففي تسعين دقيقة، تتراجع الحدود، وتخفت الخلافات، ويهتف الملايين لراية عربية واحدة، بينما تعجز سنوات من القمم والبيانات عن صناعة الشعور ذاته. إن الرياضة هنا قد تحل محل العمل الدبلوماسي أو ربما لا، لكنها تظل «شاهد عيان» على أن ما يجمع الشعوب العربية أعمق بكثير مما تفرقه خلافات السياسيين؛ إذ يظل وجدان الأمة حياً يفرض حضوره كلما أُغلقت أبواب التلاقي.

وفي هذا الفضاء الشعبي الممتد، تُبرهن الجماهير العربية أنها لا تبحث عن بديل لهويتها الوطنية، بل ترى في كل تفوق عربي دليلاً على امتلاك الأمة مقومات المنافسة والإبداع متى توفرت الإرادة والعمل. وهكذا، يتحول الإنجاز الرياضي إلى انتصار رمزي يتجاوز حدود الدولة، ليصبح مصدر فخر لأمة تتقاسم التاريخ واللغة والهوية الجامعة، قبل أن تتقاسم لحظة الفرح.

وبمنأى عن ضجيج الملاعب، وما تتناقله وسائل الإعلام عن محاولات فرض الحسابات السياسية على الرياضة، وبعيداً عن اختزال الفوز أو الخسارة في شخص واحد، فإن الإنجاز الرياضي – كما الإخفاق – هو حصيلة منظومة متكاملة تتداخل فيها عوامل عديدة؛ فنجاح المنتخبات لا تصنعه لحظة، ولا يهدمه قرار واحد، بل هو ثمرة سنوات من العمل والإعداد والتخطيط، وكفاءة ونزاهة من يقف على رأس الهرم الرياضي.

وأخيراً، يبقى السؤال مفتوحاً: إذا كانت كرة القدم قادرة على أن توحد ملايين العرب خلف هدف واحد، فهل كانت المشكلة يوماً في الشعوب... أم في عجز مؤسساتنا عن تحويل هذا الشعور الصادق إلى مشروع عربي جامع ومستدام؟


مواضيع قد تهمك