اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

د. حمد الكساسبة : الثقة .. رأس المال الخفي للاقتصاد

د. حمد الكساسبة : الثقة .. رأس المال الخفي للاقتصاد
أخبارنا :  

لم تعد قضية مكافحة الفَساد شأنا قانونيا او اداريا فحسب، بل اصبحت قضية اقتصادية ترتبط مباشرة بثقة المواطن، وجاذبية الاستثمار، وقدرة الاقتصاد على النمو وخلق فرص العمل. فالاقتصادات الحديثة لا تقوم على رأس المال وحده، بل على وضوح القواعد، واستقرار المؤسسات، وقدرة الناس على اتخاذ قراراتهم بطمأنينة. ولذلك، فان التحدي الحقيقي لا يكمن في اثارة الحديث عن الفساد، بل في ادارة هذا الملف بطريقة تعزز سيادة القانون، وتحمي في الوقت نفسه صورة الدولة ومؤسساتها، باعتبارها الركيزة التي يقوم عليها الاستثمار والاستقرار والتنمية.


ولا خلاف على ان الفساد يشكل خطرا على التنمية، فهو يهدر الموارد، ويضعف المنافسة، ويقلل كفاءة الانفاق العام، ويؤثر في جودة الخدمات. ولذلك، فان مكافحته يجب ان تبقى اولوية وطنية. ولكن في المقابل، يجب التمييز بين وجود حالات فساد تستوجب المحاسبة، وبين تكوين انطباع عام بان الدولة كلها بيئة فاسدة، لان هذا التعميم يضعف الثقة بالمؤسسات، ويؤثر في قرارات المستثمرين، وقد يفرض على الاقتصاد كلفة لا تقل عن كلفة الفساد نفسه.


ومن الناحية الاقتصادية، تعد الثقة من اهم الاصول التي تمتلكها الدول، رغم انها لا تظهر في الموازنات ولا في الحسابات الوطنية. فالمستثمر عندما يقرر انشاء مشروع جديد لا ينظر فقط الى الضرائب او الحوافز، بل ينظر ايضا الى استقرار التشريعات، وسرعة الاجراءات، واستقلال القضاء، وشفافية المؤسسات. وكلما ارتفعت الثقة، انخفضت المخاطر الاستثمارية، وازدادت فرص التوسع وخلق الوظائف، وتحسن مستوى النشاط الاقتصادي. فالثقة ليست قيمة معنوية فحسب، بل هي اصل اقتصادي ينعكس مباشرة على الاستثمار، والانتاج، والتشغيل، ومعدلات النمو.


ومن هنا، تتحمل الحكومة، باعتبارها صاحبة الولاية العامة، مسؤولية قيادة هذا الملف عبر تطبيق القانون على من يثبت تورطه، وعبر بناء منظومة تمنع وقوع الفساد من الاساس. وفي هذا السياق، يمكن النظر الى قرار مجلس الوزراء الاخير بإعداد نظام عاجل لضبط العمل الوزاري ومنع تضارب المصالح لدى الوزراء باعتباره خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح. فهذا القرار ينقل ملف النزاهة من دائرة الخطاب العام الى دائرة التنظيم المؤسسي، ويؤكد ان مكافحة الفساد لا تكتمل برد الفعل بعد وقوع المخالفة، بل تحتاج الى قواعد واضحة تعزز الفصل بين المصلحة العامة والمصلحة الخاصة.


غير ان قيمة هذا القرار لا تقاس بصدوره وحده، بل بقدرته على التحول الى ممارسة دائمة في الادارة العامة. وتؤكد تجارب دول نجحت في بناء مؤسسات قوية، ومن بينها سنغافورة، ان نجاح الحوكمة الرشيدة يرتبط بحسن تطبيق التشريعات، واستدامة تنفيذها، وتكاملها مع الشفافية والمساءلة، وهو ما يعزز ثقة المواطن والمستثمر، ويهيئ بيئة اكثر جاذبية للاستثمار. فكل اجراء يمنع تضارب المصالح قبل وقوعه يوفر على الدولة كلفة مالية واقتصادية وقانونية، ويعزز الثقة في عدالة القرارات العامة.


وفي الوقت نفسه، يحتاج المواطن الى نتائج يراها في حياته اليومية اكثر من حاجته الى الاجراءات المعلنة. فعندما تصبح الخدمة اسرع، والاجراءات اوضح، والمساءلة عادلة، يشعر بان الدولة تحترم حقوقه ووقته، وعندها تبدأ الثقة بالعودة تدريجيا. فالثقة لا تبنى بالتصريحات، بل بالممارسة المستمرة، وبقدرة المؤسسات على تحويل السياسات الى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن.


كما ان للاعلام ومنصات التواصل الاجتماعي دورا مهما في هذه المعادلة. فالنقد المسؤول يساعد على كشف الخلل ودعم الاصلاح، اما التعميم او اطلاق الاتهامات دون ادلة فقد يخلق انطباعات غير دقيقة عن الاقتصاد الوطني، ويؤثر في قرارات المستثمرين، ويزيد من حالة الشك لدى المواطنين. ولذلك، فان حماية سمعة الدولة لا تتعارض مع كشف الفساد، بل تتطلب ان يكون النقد قائما على الحقائق، وان تترك عملية التحقيق والفصل للمؤسسات المختصة، بما يحفظ حقوق الجميع ويصون هيبة الدولة.


وخلاصة القول، يحتاج الاردن اليوم الى ترميم الثقة بقدر حاجته الى مكافحة الفساد، لان الثقة هي الاساس الذي يقوم عليه الاستثمار، والنمو، والاستقرار الاجتماعي. ولا تبنى هذه الثقة بالانكار، ولا بالتعميم غير المستند الى ادلة، بل بسياسات واضحة، ونتائج ملموسة وقابلة للقياس، وحوكمة رشيدة، ومؤسسات تطبق القانون بعدالة على الجميع. وعندها تصبح مكافحة الفساد اداة لبناء الدولة، وتعزيز تنافسية الاقتصاد، وترسيخ الثقة باعتبارها رأس المال الخفي الذي تقوم عليه التنمية المستدامة.


مواضيع قد تهمك