اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

رمزي الغزوي : الطاعون الجديد

رمزي الغزوي : الطاعون الجديد
أخبارنا :  

في كل مرة تتدحرج فيها الكرة على عشب أخضر، يحدث شيء أغرب من المباراة نفسها. فجأة يخرج ملايين الناس من حياتهم اليومية، ينسون فواتيرهم، وخيباتهم، وأخبار الحروب، ويعلقون أرواحهم بقدم لاعب يبعد عنهم آلاف الكيلومترات. يصبح الهدف انتصارا شخصيا، والخسارة جرحا جماعيا، والقميص قطعة من الجغرافيا، فيما تتحول المدرجات إلى وطن مؤقت، وتغدو الشاشة حدودا جديدة للانتماء.

ليست هذه قوة الرياضة وحدها، إنها قوة الحاجة الإنسانية إلى معنى يجمع القلوب في زمن يتقن تفريقها. ومن هنا تبدأ الحكاية. فكلما راينا أن كرة القدم مجرد لعبة، كشفت أنها واحدة من أكثر الظواهر قدرة على فضح الإنسان وهو يبحث عن نفسه بين الهتاف والصمت، وبين الحلم والسلطة، وبين الفرح الذي يولد عفويا، وذلك الفرح الذي يجري تصنيعه بعناية.

كرة القدم واحدة من أكثر الظواهر الإنسانية تعقيدا. فمنذ زمن بعيد، اكتشفت ما عجزت عنه مؤسسات كثيرة: كيف تمنح الإنسان شعورا نادرا بأنه ينتمي. في المدرج يذوب الاسم داخل الجماعة، ويتحول الغريب إلى أخ، ويغدو الفرح لغة لا تحتاج إلى ترجمان. الإنسان لا يذهب إلى المباراة بحثا عن هدف فقط بقدر ما يبحث عن نفسه وسط آلاف القلوب التي تخفق بالإيقاع ذاته.

ومع ذلك، لا يمكن اختزال كرة القدم في هذا الوجه وحده. فهي تحمل التناقض كله. تمنح الفقير لحظة ينتصر فيها على يومه القاسي، وتمنح المدينة المنسية اسما يسمعه العالم، وتمنح الطفل حلما يركض أسرع من واقعه. وفي اللحظة نفسها، تستطيع أن تتحول إلى ما يشبه العدوى؛ عدوى تنتشر بين الجموع، فيذوب العقل داخل الموجة، ويغدو الانفعال بديلا عن التفكير، والهتاف بديلا عن الوعي، ويصبح الاختلاف خيانة، والتروي ضعفا، والهدوء تهمة.

لهذا لم تكن كرة القدم بريئة تماما، ولم تكن مذنبة تماما. إنها مرآة ضخمة يرى فيها كل مجتمع صورته. فإذا كان حرا، صارت احتفالا بالحياة، وإذا كان مأزوما، تحولت إلى منصة تعلق عليها الخيبات، ويعاد عبرها إنتاج الوهم بألوان أكثر بهجة.

وحين تنطفئ الأضواء، ويغادر اللاعبون، ويعود الجمهور إلى بيوته، لا تنتهي المباراة. تبقى تدور في الرؤوس أكثر مما دارت فوق العشب. هناك تبدأ اللعبة الأخطر؛ اللعبة التي لا يحرسها حكم، ولا تحدها خطوط، ولا تنتهي بصافرة. هناك قد يتحول الشغف إلى وعي يرفع الإنسان، وقد ينقلب إلى طاعون عاطفي يبتلع قدرته على الرؤية.

ــ الدستور


مواضيع قد تهمك