حسام عايش : الفيدرالي.. وخفض الفائدة الاقتصادية
يمكن اعتبار الاطلالة الاولى لرئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الجديد كيفن وارش، اعادة تموضع ضروري في طريقة ادارة السياسة النقدية اكثر من كونها التزاما بمسار تقليدي للفائدة، للقول ان السياسة النقدية الجديدة ليست مقيدة بتوجيهات سياسية، وفي الوقت عينه تمتلك قدرا من المرونة يسمح بإعادة توزيع الادوات بدل الاعتماد على سعر الفائدة الرسمي وحده؛ ما يعني ان التشدد اللفظي اداة لبناء المصداقية اكثر منه التزاما برفع اضافي في اسعار الفائدة.
اي ان الهدف تثبيت توقعات الاستقلالية لا تثبيت مسار محدد للفائدة، وهو ما يفهم من رفضه تقديم اشارات دقيقة لمسار السياسة النقدية كمحاولة لتجنب تقييد نفسه بتوقعات مسبقة، خصوصا في بيئة تتغير فيها البيانات الاقتصادية بسرعة.
ما يسمح بالاستنتاج، ان الفيدرالي في عهده الجديد، قد لا يعتمد على سعر الفائدة الرسمي كاداة وحيدة لتشديد او تيسير الاوضاع المالية، فمع وجود ميزانية عمومية تقدر بنحو 6.7 تريليون دولار، فانها تصبح اداة موازية لا تقل اهمية عن سعر الفائدة نفسه.
ياتي ذلك في وقت تشير فيه بعض القراءات الى ان وارش ربما سيستخدم ادوات الميزانية العمومية كوسيلة اكثر مرونة لإدارة الأوضاع المالية، بما يسمح بتخفيف التشديد الفعلي في الاقتصاد عبر قنوات السيولة، حتى في حال الإبقاء على سعر الفائدة الرسمي عند مستويات مرتفعة نسبيا، حيث يمكن للفيدرالي التاثير في مستوى الفائدة الفعلية في الاقتصاد – من خلال التأثير غير مباشر على العوائد - دون تغيير سعر الفائدة الرسمي، عبر ادارة ميزانيته العمومية.
فعند اعادة الفيدرالي استثمار السندات التي تستحق بدلا من تركها تنتهي دون استبدال، فإنه بذلك كمن يضخ سيولة في النظام المالي، ويزيد الطلب على السندات الحكومية، ما يؤدي الى ارتفاع اسعارها وانخفاض عوائدها، خصوصا طويلة الاجل، ما ينعكس مباشرة على تكلفة الاقتراض في الاقتصاد، مثل القروض العقارية وتمويل الشركات، اي ان الفائدة التي يدفعها الاقتصاد فعليا تتراجع رغم ثبات سعر الفائدة الرسمي.
نهج وارش فيما يتعلق باسعار الفائدة له مبرراته وبالذات المخاوف من زيادة عجز الموازنة مع تراجع الحصول على عوائد كبيرة من الرسوم الجمركية نتيجة رفض المحكمة العليا لها، واعادة بين 130 الى 170 مليار دولار منها، وخفض الضرائب على الشركات والافراد، حيث عجز الموازنة سيزيد، وبالتالي فالدين العام – المقدر بنحو 38 تريليون دولار- سيرتفع، وترتفع معه خدمته لما يزيد عن 1.2 تريليون دولار، ما يجعل السيطرة على تكلفة خدمة الدين، هدفا لا يقل اهمية عن السيطرة على التضخم نفسه.
لذلك، قد يكون من الاسهل سياسيا واقتصاديا خفض الضغوط على العوائد عبر ادوات الميزانية العمومية، بدلا من الدخول في دورة صريحة لخفض الفائدة، قد تفسر على انها استجابة لضغوط سياسية، او تراجع الالتزام بمحاربة التضخم، اي قد يكون تثبيت الفائدة عند مستويات تبدو مرتفعة نسبيا وسيلة للحفاظ على استقلالية المؤسسة، بينما يتم نقل المرونة الحقيقية الى ادوات اقل وضوحا مثل اعادة استثمار السندات، او تعديل حجم الميزانية العمومية.
ما يجعل فهم السياسة النقدية ليس كمسار خطي بين رفع وخفض الفائدة، بل كمنظومة متعددة الادوات، حيث يعمل سعر الفائدة الرسمي كاشارة رئيسية للسوق، بينما تعمل الميزانية العمومية كاداة تنفيذية اكثر دقة في التحكم بشروط السيولة والعوائد طويلة الاجل كاشارة للاقتصاد، ما يمنح الفيدرالي مساحة اوسع للمناورة دون التزام مسبق بمسار واحد.
بناء على ذلك، لا تبدو المرحلة المقبلة اقرب الى دورة تشديد تقليدية بقدر ما تبدو اعادة تعريف لطبيعة التشديد نفسها. فبدلا من رفع اضافي في سعر الفائدة، قد نشهد تثبيتا عند مستويات مرتفعة نسبيا مع استخدام مكثف للميزانية العمومية، والادوات غير التقليدية لضبط الاوضاع المالية. واذا صحت هذه القراءة، فان السياسة النقدية في عهد وارش قد تبدو متشددة في ظاهرها، واكثر مرونة في جوهرها، لان اثرها الحقيقي سينتقل تدريجيا من سعر الفائدة الرسمي الى ادارة السيولة والعوائد في الاسواق المالية بما يخفض سعر الفائدة الاقتصادي.
ــ الدستور