رمزي الغزوي : الزيف ونجاة الرداءة
كان الناس يرددون في الأزمنة المستقرة أخلاقيا عبارة لا يصح إلا الصحيح ظانين أن الزمن، مهما تباطأ، يعمل في جهة واحدة ولمصلحة واحدة وهدف واحد سام: فضح الزائف، وتعرية الرديء حتى يسقط ما لا يستحق الخلود والشيوع.
ولربما كان في تلك العبارة شيء لذيذ من العزاء والطمأنينة أيضا؛ أي وكأن العالم، رغم فوضاه، يمتلك في أعماقه جهاز تصحيح ذاتيا لا يهدأ يتكفل بتلك المهام. غير أن ما نعيشه الآن لا يترك لتلك السردية الساذجة مكانا واسعا. فالمشهد يوحي بشيء أكثر قسوة. فغير الصحيح غدا يمشي في وضح الضوء بعد نجاته ويقعد في الصدارة، ويُكافأ على ما هو عليه.
النص العميق يتأخر، يتعثر، ينطفس، ويُترك جانبا لأنه يحتاج قارئا أو متلقيا يملك صبرا. أما النص الخفيف، السريع، الملمع بعناية الذكاء الاصطناعي أو الغباء البشري، لا فرق، تراه يمضي محلقا. هكذا تتقدم الرداءة لأنها أخف وزنا، وأسرع هضما، وأقدر على مجاراة مزاج عام لا يريد أن يتعب أو يفكر.
وفي السياسة، لا يحتاج الزيف إلى كثير من الحياء. يكفيه أن يكون صاخبا، قادرا على إثارة الخوف أو الغضب، حتى يجد لنفسه جمهورا يهتف له. الخطاب المتناقض، المبالغ فيه، القائم على الأكاذيب الفجة، لم يعد عبئا على صاحبه بقدر ما هو جزء من جاذبيته وفضائله. الناس لا تنجذب إلى الأكثر تماسكا بل إلى من يملك قدرة أعلى على الاستفزاز وتحريك الغرائز. وهكذا تغدو الفوضى أكثر قابلية للتسويق من أي مشروع عقلاني متزن.
الكفاءة لا تتقدم دائما، وصاحب الأسئلة لا يُستقبل دائما بوصفه قيمة مضافة. أحيانا يكون المطيع أكثر أمانا للمؤسسة من الذكي، والأكثر استعدادا للموافقة، وأسرع حظا من الأكثر معرفة. فالصحيح مزعج، كونه يلفت النظر إلى الخلل ويحرج البنية التي اعتادت أن تدير نفسها بالترضيات والوساطات.
في الثقافة باتت أغلب الأشياء مهيأة للاستهلاك السريع: كتاب يُقرأ على عجل، فكرة تُختصر حتى تفقد عظمها، ومعنى يُفرغ من مضمونه ليصبح قابلا للتداول. ومع الوقت، يغدو الجيد شيئا ثقيلا يحتاج إلى نفس طويل لا يملكه كثيرون. حتى اللغة نفسها أُنهكت وبارت معانيها. كلمات مثل الحرية والعدالة والتنوير فقدت هيبتها، لأنها لم ترفع إلا بعد أن أفرغت من مضامينها.
عبارة «لا يصح إلا الصحيح» لا تخرط مشطي ولا تصلح عزاء لحجر. العالم لا يسير بهذه البراءة والزمن لا يعمل دائما وفقط هذه المنظومة المشتهاة. الزيف ينجو ويربح الكثير حين ينسجم مع شروط المرحلة وتلاوينها، وهذا ما يدفع الصحيح إلى الظلال والفناء ربما.