الصبيحي : من حلول تراجعية أو انكماشية في موضوع الضمان
اليوم، ومع إعادة تعيين مدير عام أسبق لمؤسسة الضمان، ليكون على رأس المؤسسة من جديد، يعود ملف تعديلات قانون الضمان الاجتماعي إلى الواجهة، كأحد أهم الموضوعات الحسّاسة والأكثر تأثيراً على الناس في هذه المرحلة.
إعادة التعيين في حدّ ذاتها تثير الكثير من التساؤلات المشروعة حول التوجه القادم لشكل هذه التعديلات وغاياتها ونطاقها.
من خلال قراءتي العميقة للنهج السابق، سواء اختلفنا أو اتفقنا عليه، إلا أن هناك مخاوف حقيقية من أن تؤدي هذه العودة إلى محاولة طرح حلول تحمل ذات الرؤية التي طالما انتقدناها وفنّدناها مادةً مادة وبنداً بنداً.
ما أخشاه أن يتم اللجوء كما في المرة السابقة إل حلول انكماشية، تعتمد اعتماداً مفرطاً على تقليص المنافع التأمينية للمشتركين والمتقاعدين أو جزء منها مثل تعديل معادلات الاحتساب لتصبح أقل إنصافاً، أو إلغاء التقاعد المبكر او تقييده تقييداً حادّاً جداً يؤثّر على الفئات الهشّة وغير المستقرّة في سوق العمل، أو الرجوع إلى احتساب الراتب التقاعدي على أساس متوسط الأجور الخاضعة للضمان على مدى المسار المهني للعامل المشترك، أو تحميل المؤمّن عليه عبئاً مالياً جديداً. وكل ذلك كخيار سهل وربما الأسهل لمعالجة العجز الاكتواري المتوقع، بدلاً من ابتكار حلول تنموية واستثمارية حقيقية، إضافة إلى فتح آفاق واسعة لشمولية التغطية بالنظام التأميني.
ما أحذّر منه وأخشاه أن تطغى النظرة المحاسبية والمالية البحتة على البُعد الاجتماعي الإنساني الحمائي للضمان في التعديلات القادمة، وتؤثر سلباً على الفئات الأكثر ضعفاً وهشاشةً في سوق العمل، مثل العاملين في القطاعات والمؤسسات الصغيرة ومتناهية الصغر (الميكروية) وربما أيضاً العاملين الصغار لحسابهم الخاص، إضافة إلى الفئات الهشّة من العاملين في قطاع الاقتصاد غير الرسمي.
من جانب آخر مهم هناك قلق من العودة إلى نهج الاستعجال في فرض التعديلات دون إدارة حوار وطني حقيقي ومتوازن مع أطراف الإنتاج الثلاثة (الحكومة، أصحاب العمل، والعمال) كمرحلة أولى، والاستماع الفعلي لآراء الخبراء، ومختلف الفعاليات المجتمعية، والرأي العام.
أقول هذا الكلام لقناعتي بأن التعديلات القادمة سترسم ملامح الحماية الاجتماعية للأجيال القادمة، ومن المهم أن يعمل الخبراء وذوو الدراية على تفكيك نصوصها عندما تكتمل وتوضيح أبعادها للرأي العام ولأصحاب القرار في البرلمان والإعلام بما يمثلانه من خط دفاع أول عن المكتسبات العمالية.
لا نريد أي حلول تراجعية عن مستويات الحماية الاجتماعية، ولا حلولاً انكماشية للمنافع التأمينية. وإنما حلول عادلة توافقية توازن ما بين الحماية والاستدامة.
(سلسلة توعوية تنويرية اجتهادية تطوعيّة تعالج موضوعات الضمان والحماية الاجتماعية، وتبقى التشريعات هي الأساس والمرجع- يُسمَح بنقلها ومشاركتها أو الاقتباس منها لأغراض التوعية والبحث مع الإشارة للمصدر).
خبير التأمينات والحماية الاجتماعية
الحقوقي/ موسى الصبيحي