اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

جمال الكشكي : مكر التاريخ وصدمة الحلفاء

جمال الكشكي : مكر التاريخ وصدمة الحلفاء
أخبارنا :  

زلزال، صدمة، كارثة، مفردات جرت على ألسنة الساسة الإسرائيليين، وحفلت بها الصحافة العبرية، كانت لحظة توقيع الرئيس الأميركي دونالد ترامب على مذكرة التفاهم مع إيران في قصر فرساي بباريس بمثابة قنبلة هيدروجينية في قلب تل أبيب، راح على إثرها عدد من القادة الأمنيين السابقين ووزراء في حكومة نتنياهو يصبون جام غضبهم على الرئيس الأميركي الذي كان يوصف سابقا بأنه أول رئيس يهودي في الولايات المتحدة، والذي راهنت عليه اللوبيات اليهودية بأن سيكون كورش الجديد، والذي سيجعل إسرائيل الكبرى حقيقة واقعة، ولم يتخيلوا هذا الانشقاق الواسع في لحظة واحدة.

 


الهجوم الإسرائيلي على ترامب جعل جي دي فانس، نائب الرئيس الأميركي، يخرج بتصريحات نارية ضد إسرائيل للمرة الأولى في تاريخ العلاقات، تلك طالما وصفت الشراكة الزوجية، بسبب التداخل النادر بين كيانين بعيدين جغرافيا، وقال فانس إنه لولا الرئيس ترامب ما كانت إسرائيل.

وجاء في السياق ذاته تصريح الرئيس ترامب بأنه لولاه شخصيا لسحقت إسرائيل، محذرا من التمادي في لبنان وتخريب الاتفاق مع إيران، وعاد فانس ليقول إن مصالح أميركا وإسرائيل ليست متطابقة، وهكذا انفرط العقد، وسيبلغ مداه وتتسع شروخه، لأن الهجوم المباغت من اللوبي اليهودي ضد ترامب لن يمر دون عواقب، خاصة أن حركة ماجا لم يعد في وسعها تحمل الهجوم الإسرائيلي أكثر من ذلك، وتصف ما تقوم به إسرائيل بأنه نكران للجميل.

هذه ليست تمثيلية، إنما الحقيقة أن الفأس وقع في الرأس كما يقال في الحكمة الشعبية.

لطالما قامت العلاقة الأميركية الإسرائيلية على افتراض راسخ، يقوم على أن مصالح البلدين توأم لا يفترقان، وأن الدعم الأميركي لإسرائيل ثابت بصرف النظر عن أي متغيرات، غير أن تصريحات نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس جاءت لتهز هذا الافتراض من جذوره، وتضع العلاقة الثنائية أمام اختبار وجودي غير مسبوق.

لم يلجأ فانس إلى الدبلوماسية الناعمة، ولا إلى المراوغة المعتادة، لكنه أعلن بشكل قاطع أن المصالح الأميركية والإسرائيلية ليست متطابقة دائما، هذه الجملة القصيرة تحمل ثقلا هائلا، إذ تنسف عقودا من الخطاب السياسي الأميركي الذي صور إسرائيل حليفا استراتيجيا لا غنى عنه، وجعل دعمها يقدم على أنه مصلحة أميركية صميمة لا تقبل النقاش.

والذي يجعل هذا الموقف أشد وطأة هو أنه لم يصدر عن معسكر ليبرالي معتاد على انتقاد إسرائيل، لكنه جاء من قلب الإدارة الجمهورية ذاتها التي طالما اعتبرها نتنياهو درعه الأكثر أمانا، هذا يعني أن التحول يعكس إعادة تأسيس حقيقية لمنطق التحالف وفق معادلة المصلحة الأميركية أولا.

الأشد إيلاما لتل أبيب لم يكن الموقف المبدئي، لكنه جاء عبر التوبيخ العلني الذي وجهه فانس لوزيري اليمين المتطرف بن غفير وسموتريتش، فقد باغتهما بسؤال ساخر: ما هو البديل بالضبط؟ مؤكدا أن استمرار القتال لا يعد إستراتيجية.

هذا النقد يحمل بعدين، الأول داخلي يشير إلى أن واشنطن لم تعد مستعدة لتغطية خطاب التطرف الإسرائيلي دبلوماسيا، والثاني إستراتيجي يعلن أن إدارة ترامب تملك رؤيتها الإقليمية المستقلة التي لا تستأذن فيها الكابينت الإسرائيلي.

تتضافر ثلاثة عوامل في تشكيل حجم الضغط على نتنياهو:

أولها، التذكير العلني بأن ثلثي منظومة الدفاع الإسرائيلية تمولها الخزينة الأميركية، وهو ما يترجمه أي مراقب سياسي فورا إلى تلويح محتمل بورقة حظر الأسلحة.

وثانيها، توقيع ترامب اتفاقا مع إيران دون تنسيق كاف مع تل أبيب، في استعراض واضح لأن واشنطن تتصرف وفق حساباتها الخاصة.

وثالثها، السعي لفرض وقف إطلاق نار شامل يمتد من غزة إلى لبنان، مدفوعا بأهداف اقتصادية أمريكية تتعلق بأسعار النفط، والانتخابات الداخلية، وهو ما يتناقض مع رغبة نتنياهو في الإبقاء على الشريط الأمني جنوب لبنان محتلا.

الصورة الأكثر كشفا لحجم الأزمة تجلت في ردود الفعل الإسرائيلية المتضاربة، فنتنياهو آثر الصمت الرسمي خشية الاصطدام بترامب، بينما ذهب بن غفير إلى تصريحات متشنجة بلا أفق، فيما حاول آخرون تذكير واشنطن بالخدمات الاستخباراتية كورقة مساومة.

إن هذا التخبط في حد ذاته يكشف حجم الارتباك الاستراتيجي، ويظهر أن تل أبيب لم تكن مستعدة لعالم تتصرف فيه واشنطن كقوة عظمى تسعى لمصالحها الوطنية.

ما نشهده ليس أزمة عابرة في علاقة حليفين، لكنه تدشين لمرحلة جديدة، تعيد فيها أمريكا تعريف تحالفاتها وفق منطق الربح والخسارة، وأمام هذا الواقع يجد نتنياهو نفسه في مأزق حقيقي، فالحليف الأقوى بات يضع شروطا، والبدائل المتاحة شحيحة، والوقت يضيق، وهذا ما يؤكد أن التاريخ ماكر، وأن لديه حسابات سرية، تختلف عن أوهام إسبرطة والدولة المحاربة المستمرة.

ــ الغد

مواضيع قد تهمك