يعقوب ناصر الدين : التموضع الإيجابي!
في خاتمة مقالي السابق (لا وقت للانتظار) عبرت عن قناعتي بأنه حان الوقت لكي نعيد التركيز على أولويات بلدنا، وفي المقدمة منها صياغة موقفنا الموحد، والتعبير عنه بكل ما نملكه من قوة وعزيمة واقتدار في مواجهة التطورات الإقليمية بكل ما تنطوي عليه من غموض وتناقضات، وحتى تفاهمات غير مضمونة النتائج، وقلت لعلنا بحاجة إلى قدر من التموضع الإيجابي لنخبنا السياسية والحزبية والفكرية والثقافية لتعميق دفاعنا عن مصالح بلدنا العليا، التي تفرض علينا التمييز بين الاهتمام بأثرها علينا وبين أن تلهينا عن تلك الأولويات.
من ناحية التعريف الإستراتيجي للتموضع الإيجابي فإنه يعني التركيز على الحلول والبدائل والقدرات والإمكانات المتاحة بدلا عن التركيز على المشكلات والعوائق، بهدف إدارة الضغوط والتحكم في ردود الأفعال، وإعادة ترتيب الأولويات للبدء بالأهم، والأهم بالنسبة لنا هو حماية أمن بلدنا واستقراره، والحفاظ على منجزاته، ومواصلة مسيرته وفق عمليات التحديث السياسي، والرؤية الاقتصادية، وتطوير وتفعيل أداء مؤسسات الدولة العامة والخاصة، وكلها مسارات حددت خطواتها ومراحلها بناء على رؤى جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، الذي سبق وأن شرح بوضوح المعنى العميق لمقومات الأردن القوي بجيشه وأجهزته الأمنية وسلطاته ومؤسساته وقواه الحية وشعبه المتحد في وطنيته الصادقة وفي ثقته بقيادته واعتزازه بمكانة بلده ودوره الفاعل في محيطه القومي والإقليمي والدولي.
لا شك أن طبيعة الصراع الذي تعيشه المنطقة منذ الحرب على غزة، وعلى إثر الحرب الإيرانية الأميركية الإسرائيلية أدت إلى حالة من الجدل العقيم والمزايدات والاتهامات على نطاق واسع شمل العالم كله، ومن الطبيعي أن نكون جزءا من ذلك الجدل مع فارق جوهري يتعلق ليس بواقعنا الجيوسياسي وحسب بل بارتباط بلدنا بنظرية الأمن القومي العربي وإيمانه بها، فضلا عن موقفه المدافع عن قضايا الأمة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، فنحن من هذه الناحية أقرب ما نكون للنقاش وليس الجدل، وللفهم وليس الوهم!
تلك هي مسؤولية الأحزاب الوطنية أولا، ذلك أنه في حواضنها يمكن أن ينعقد النقاش الموضوعي، والحوار الوطني انسجاما مع دورها المباشر في الحياة السياسية، وواجباتها الأكيدة في تعميق الانتماء الوطني قولا وفعلا وتجسيدا على أرض الواقع، ليكون موقفا صارما عندما يتعلق الأمر بمصالح الدولة وعناصر قوتها وثباتها، ووحدة شعبها وإرادته القوية في مواجهة التحديات مهما كان حجمها أومصدرها أو طبيعتها.
لقد تزامنت كل تلك التطورات الخطيرة في المنطقة والتحديات التي يواجهها بلدنا مع المرحلة الأولى من حياتنا الحزبية المستحدثة، ومع ذلك فإن عمليات تقييم الأداء الحزبي لم تتوقف لدى معظم الأحزاب، وفي هذه المرحلة أصبح من الضروري بث نوع من الحيوية الجديدة من خلال تفعيل قدرات الكوادر الحزبية، وضخ دماء جديدة، وإجراء مراجعة أمينة للأولويات ولمستوى الأداء، ورسم خريطة طريق مواز لتوجهات الدولة، سواء في تعاملها وإدارتها لشؤونها الخارجية أو الداخلية، لأن الهدف الرئيسي ينصب على حشد جميع طاقات الدولة وقدراتها خلف جلالة الملك لتجاوز الأزمات والمضي قدما في مسيرة النهوض الشامل.
التموضع الإيجابي المطلوب هو أقرب ما يكون إلى إعادة التنظيم على جبهات المواجهة والاستعداد للدفاع عن بلدنا ومصالحه ومستقبل أبنائه، كل في مجاله وموقعه ومسؤولياته!