سلامة الدرعاوي : المخاطر والاستعلام الائتماني
ما إن يُرفض طلب قرض أو تمويل حتى يبدأ كثير من المواطنين بالبحث عن السبب، وغالباً ما تكون الإجابة الجاهزة: "السبب كريف"، ومع مرور الوقت، تشكلت لدى شريحة واسعة من الناس صورة ذهنية تربط شركة المعلومات الائتمانية برفض التمويل وتعطيل القروض، حتى بات اسم الشركة يتردد في المجالس ووسائل التواصل الاجتماعي باعتباره الجهة التي تقرر مصير الطلبات الائتمانية. لكن هل هذه الصورة تعكس الواقع فعلاً؟
هذا التساؤل يفتح الباب أمام نقاش أوسع حول طبيعة الدور الذي تؤديه شركات المعلومات الائتمانية في الاقتصاد الحديث، وحول مدى فهم المواطنين لآلية عملها، فالمفارقة أن كريف لا تمنح قرضاً ولا ترفض قرضاً، ولا تملك أصلاً صلاحية اتخاذ القرار الائتماني، ودورها يقتصر على جمع البيانات وتنظيمها وعرضها بصورة مهنية ومحايدة أمام الجهات المانحة للائتمان، بينما يبقى القرار النهائي بيد البنك أو شركة التمويل وفق سياساتها ومعاييرها الخاصة.
السؤال الذي يطرحه المواطن غالباً هو: لماذا أصبح الحصول على التمويل أكثر ارتباطاً بالسجل الائتماني؟ والإجابة أن الاقتصاد الحديث لم يعد قادراً على الاعتماد على الانطباعات أو العلاقات الشخصية أو التقديرات غير الدقيقة، فالتمويل في جوهره عملية تسعير للمخاطر، وكلما كانت المعلومات أوضح أصبحت القرارات أكثر عدالة ودقة، لذلك جاءت منظومة المعلومات الائتمانية لتسد فجوة كانت قائمة لسنوات طويلة في السوق الأردني، حيث كانت المؤسسات المالية تعتمد على بيانات غير مكتملة ومصادر متفرقة عند تقييم العملاء.
ومن هنا يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية: هل وجود كريف خدم المؤسسات المالية فقط أم خدم العملاء أيضاً؟ الواقع يشير إلى أن المستفيد ليس جهة واحدة، فالمؤسسات أصبحت أكثر قدرة على تقييم المخاطر، وفي المقابل أصبح العميل الملتزم بالسداد يمتلك سجلاً ائتمانياً يعكس سلوكه المالي الإيجابي ويعزز فرص حصوله على التمويل مستقبلاً، بل إن ملايين عمليات الاستعلام الائتماني التي جرت خلال السنوات الماضية انتهى جزء كبير منها بالموافقة على منح التمويل، وهو ما ينسف الاعتقاد السائد بأن وجود كريف يعني بالضرورة رفض الطلبات.
كذلك يطرح المواطن تساؤلاً مشروعاً حول مصير المعلومات الائتمانية ومدى بقائها وتأثيرها على مستقبله المالي، وهنا تظهر أهمية الوعي بأن السجل الائتماني ليس حكماً نهائياً أو عقوبة دائمة، لكن هو انعكاس للسلوك المالي المتغير، فالالتزام بالسداد وتحسين إدارة الالتزامات المالية وتقليل المديونية عوامل تساهم تدريجياً في تحسين التقييم الائتماني ورفع فرص الحصول على التمويل.
الأهمية الحقيقية لكريف ربما برزت بشكل أوضح مع التغيرات التشريعية التي شهدتها المملكة خلال السنوات الأخيرة، وخاصة ما يتعلق بعدم حبس المدين العاجز عن السداد وتراجع الاعتماد على بعض أدوات الضمان التقليدية، ففي مثل هذه البيئات تصبح المعلومات الدقيقة هي خط الدفاع الأول أمام المؤسسات التمويلية، وتصبح البيانات بديلاً عن كثير من أدوات الحماية التقليدية التي كانت مستخدمة سابقاً.
وفي النهاية، قد يكون السؤال الأهم: ماذا لو لم تكن هناك كريف؟ عندها سيعود السوق إلى مرحلة القرارات المبنية على المعلومات الناقصة والتقديرات الشخصية وارتفاع مستويات المخاطر، لذلك فإن النقاش الحقيقي لا يجب أن يكون حول وجود شركة معلومات ائتمانية من عدمه، إنما حول كيفية تعزيز الوعي بدورها، وتمكين المواطنين من فهم سجلاتهم الائتمانية وتحسينها، لأن الاقتصاد الحديث يقوم على المعلومة، والائتمان يبدأ دائماً من الثقة، والثقة تبدأ من البيانات.