اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

مفكرون: الهجرة النبوية أسّست لوثيقة المدينة المنورة كعنوان للمواطنة

مفكرون: الهجرة النبوية أسّست لوثيقة المدينة المنورة كعنوان للمواطنة
أخبارنا :  

أكد باحثون متخصصون بالفقه والفكر الإسلامي، أن النبي صلى الله عليه وسلّم بعد وصوله إلى المدينة، أسّس مشروعاً حضارياً متكاملاً ومجتمعاً متنوعاً متعايشاً ووضع وثيقة المدينة التي تحمل قيمة عالية بكونها لا تسعى إلى إلغاء الاختلاف، بل إلى إدارة الاختلاف.

وبيّنوا لوكالة الأنباء الأردنية (بترا)، أن الوثيقة لم تطلب من الجميع أن يصبحوا نسخة واحدة، ولم تجعل وحدة المجتمع مرهونة بوحدة الدين أو القبيلة أو العرق، وإنما أقامت الوحدة على أساس العدالة والتعاون وحفظ السلم العام.

وأضافوا، أن الهجرة النبوية، انتقلت بالأمّة من طور الاستضعاف إلى طور البناء والتمكين وذلك من خلال تأسيس مجتمع قادر على التعايش بعيداً عن تقسيم الناس إلى مؤمنين وأعداء .

واعتبر الباحث في الفكر الإسلامي، الدكتور محمد صبحي العايدي، أن "وثيقة المدينة المنورة هي أول عقد اجتماعي مكتوب في التاريخ الإسلامي، بل ومن أوائل الوثائق السياسية التي نظمت العلاقة بين جماعات متعددة تعيش في وطن واحد".

وبيّن أن المدينة كانت مجتمعًا متنوعًا؛ يضم المهاجرين والأنصار، والأوس والخزرج، واليهود بمختلف قبائلهم، وكان من الممكن أن تتحول هذه التعددية إلى صراع دائم، لكن الوثيقة حولتها إلى مصدر استقرار من خلال قواعد واضحة تحفظ الحقوق وتحدد الواجبات وتمنع الظلم.

وأوضح الدكتور العايدي أن الجميع في الوثيقة شركاء في حماية المدينة والدفاع عنها، وأن المظلوم ينصر مهما كانت قبيلته، وأن المعتدي يتحمل مسؤولية اعتدائه مهما كان موقعه، فالقانون فوق العصبية، والعدالة فوق الانتماءات الضيقة.

وقال إن الوثيقة قدمت درسًا مهمًا في العلاقة بين الدين والدولة؛ فقد اعترفت بوجود جماعات دينية مختلفة داخل المجتمع الواحد، ومنحتها حق البقاء على معتقداتها مع التزامها بالنظام العام، وهذا يكشف أن إدارة التنوع كانت جزءًا أصيلًا من التجربة الإسلامية الأولى، لا استثناءً طارئًا عليها.

ولعل أكبر خطأ نقع فيه اليوم كما يشير الدكتور العايدي، هو اختزال الإسلام كله في منظومة العقوبات، بينما كانت أول وثيقة سياسية في تاريخه وثيقة لتنظيم التعايش وحماية الحقوق وحفظ الكرامة الإنسانية، وقال "أنه من الخطأ عند الحديث عن تاريخ تأسيس الدولة في المدينة المنورة بعد الهجرة النبوية ، أن يتجه الذهن إلى الغزوات أو العقوبات أو الصراعات السياسية، بل العكس تماماً، كانت المدينة المنورة نقطة الانطلاق نحو تأسيس نموذج اجتماعي وسياسي قائم على التنوّع والإيمان والعدالة والتنظيم والتكافل".

وأكد "إذا كانت بعض الأمم قد بنت وحدتها على الدم، وأخرى على العرق، وأخرى على المصالح المجردة، فإن وثيقة المدينة قدمت نموذجًا مختلفًا؛ نموذجًا يقوم على العدل والكرامة والمسؤولية المشتركة، ويجعل الإنسان محور الدولة وغايتها الأولى".

من جانبه قال الخبير الفقهي والقضائي في الدراسات الإسلامية الدكتور محمود أبو رمان، إن الأمة تستعيد عبر ذكرى الهجرة النبوية أكثر من حدث تاريخي؛ فهي مناسبة لتأمل مشروع حضاري متكامل انتقل بالأمّة من طور الاستضعاف إلى طور البناء والتمكين والتكافل بين الناس .

وأوضح أن أول معالم "دار الهجرة" تأسيس المسجد، الذي لم يكن مكان عبادة فحسب، بل صار مركزاً للعلم والشورى وصناعة الوعي العام، مبيناً أن اختيار المسجد نواةً للمجتمع يؤكد أن نهضة الأمم تبدأ ببناء الإنسان وترسيخ القيم والأخلاق قبل تشييد العمران، قائلاً " ثم أتت المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار كأبلغ تجسيد للتكافل الاجتماعي والوحدة الوطنية؛ فقد حوّلت الأخوّة إلى واقع عملي جمع بين الحقوق والواجبات ومسؤولية التكافل".

وبيّن الدكتور أبو رمان أن الهجرة أرست قواعد التعايش واحترام التنوع وصيانة الحقوق وسيادة العدل، فكانت نموذجاً متقدّماً لبناء مجتمع متماسك يقوم على الوفاء بالعهد واحترام الكرامة الإنسانية وتحمل المسؤولية العامة، مشيراً أن هذه القيم انطلقت عوامل القوة التي أسست لدولة راسخة مهدت الطريق لفتوح مكة ونصرة الرسالة وترسيخ أركان الحضارة الإسلامية.

وأوضح أن للهجرة دروس وطنية؛ إذ رحل النبي صلى الله عليه وسلم مضطراً عن مكة، وهو في الوقت نفسه معلناً حبه وارتباطه بأرضها، وهذا الدرس يؤكد أن الانتماء للوطن قيمة تتجسّد في حفظ الأمن والاستقرار، والعمل من أجل خدمة المجتمع وصون المكتسبات، مشيراً إلى أننا بالأردن تتداخل لدينا معاني الهجرة وقيمها وصون المجتمع المتنوّع واستقراره وتعزيز الوحدة الوطنية والولاء للقيادة الهاشمية، وإدراك أن بناء الدولة وحماية مكتسباتها مسؤولية مشتركة.

كما أوضح أنه ومن دروس الهجرة النبوية تأكيد أن الدول لا تُبنى بالقوة وحدها، بل بالعدل والعلم والعمل والتكافل ووحدة الصف وترسيخ دولة القانون والمؤسسات، وبناء المواطن الصالح، وتعزيز الأمن والاستقرار والتنمية المستدامة، وتبقى الهجرة النبوية منارة تهدي الأجيال، وخارطة طريق لكل مشروع وطني يسعى لبناء الإنسان والدولة على أسس راسخة من قيمٍ كريمة وعدالةٍ راسخة.

وقال التربوي والخطيب أحمد نصار، إن وثيفة المدينة والتي تسمى دستور المدينة، تؤسّس لمبدأ المواطنة التعاقدية بين مختلف الطوائف، حيث تضمنت بنوداً لحماية الأقليات والدفاع المشترك عن المدينة.

كما أشار نصار إلى تأسيس السوق الاقتصادي المستقل للمسلمين بعيداً عن احتكار الأسواق السابقة، كما جرى منع الربا والاحتكار لضمان عدالة التوزيع واستقلالية المجتمع اقتصادياً دون وضع الشروط على جميع الأسواق، مشيراً إلى مبادئ التسامح التي تسهم في تحويل مجتمع المدينة من صراعات الجاهلية إلى حضارة متماسكة.

--(بترا)


مواضيع قد تهمك