اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

رمزي الغزوي : على وقع الشعار

رمزي الغزوي : على وقع الشعار
أخبارنا :  

حين لا تخوض دولة حربها بنفسها، لا تنتصر. وحين ترفع الشعارات أكثر مما ترفع السلاح، تنهزم ولو بعد حين. إيران لم تكن غائبة عن ميادين المشرق، لكنها لم تكن حاضرة حقا. كانت تدير الحرائق من خلف الستار، وتسمّي ذلك مقاومة. كانت تهمس في آذان الأتباع، ثم تتركهم للنار. وكلما اقترب الخطر من حدودها، تراجعت خطوة، وتركت الحلفاء وحدهم في الميدان.

لم تكن البطولة هدفا. كان النفوذ هو الغاية، أما القتال فوسيلة مؤقتة، يُرفع عندما تشتد الحاجة، ويُخمد عندما يقترب الخطر من القلب. وخصوم إيران كثر، أميركا، إسرائيل، دول عربية. لكن العدو الحقيقي لم يكن خارج حدود الجغرافيا فقط. كان كل من لا يخضع. من لا يعترف بدورها الأبوي في الإقليم. من لا يرى في تمددها خلاصا، بل يراه عبورا ثقيلا على ما تبقى من سيادة متصدعة.

تحت شعار تحرير فلسطين، شيدت إيران جسورا إلى العمق العربي. دعمت جماعات مسلحة لا تقاتل حيث العدو، بل حيث الدولة. أسقطت الجيوش وأقامت الميليشيات. أضعفت الحكومات وأطلقت سلطات رديفة. وفي كل ذلك، كانت فلسطين الحاضر الغائب، تُرفع كلما دعت الحاجة، وتُركن جانبا عند الحساب.

،كانت الخطة تتكرر في عدة دول عربية. تفكيك المركز، تنصيب وكيل، ثم إعادة رسم الولاءات. لم يسأل أحد عن الحدود، فالولاء لم يكن لجغرافيا، بل لعقيدة تنتظر القرار من طهران.

راى أنصار هذا المشروع فيه حلما مؤجلا بتحرير. خصومه رأوا فيه غطاء لمشروع توسعي يزرع الخراب باسم القضية. لم تكن الخلافات طائفية فقط، بل كانت جوهرية: من يملك حق الحديث باسم فلسطين، ومن يقرر متى تبدأ الحرب ومتى تتوقف.

ليست كل يد ترفع شعارا تنوي به المعركة. وليست كل بندقية مصوّبة نحو العدو تحمل نية التحرير. في المشرق العربي، ضاعت البوصلة حين صار الصوت الأعلى لمن لا يدخل الميدان، بل يكتب خرائط الدم من بعيد.

تحولت فلسطين من جرح حي إلى شعار محفوظ، من نداء شعبي إلى ترنيمة تستعملها السلطة لإخفاء أطماعها. صار الحلم رهينة المساومات، والهتاف النبيل وسيلة لبناء الولاء.

وفي زحمة الحناجر، خفت الصوت الصادق. وبين ركام المدن، لم يبق سوى السؤال عالقا في هواء ثقيل: هل ما زالت هذه الأرض تعرف طريقها إلى التحرير؟ أم أننا فقدنا شكل الطريق، حين صرنا نحرس الخريطة أكثر من الحلم؟

ــ الدستور


مواضيع قد تهمك