د. يعقوب ناصر الدين : لا وقت للانتظار
في أحسن الأحوال ستحتاج المنطقة لمدة تزيد على شهرين لمعرفة ما إذا كانت مذكرات التفاهم أو الاتفاق المقترحة بين إيران والولايات المتحدة الأميركية ستنهي حالة الحرب القائمة حاليًا بكل ما هي عليه من كوارث وأزمات وتداعيات، أم أنها مجرد محاولة محفوفة بالتفاصيل المعقدة القابلة للانفجار في أي لحظة لسبب غير متوقع أو بلا سبب، فكل ما يجري حتى الآن من وساطات وعروض ومحاولات لخفض التصعيد لا يمكن الوثوق بها لتشكل مدخلًا لإنهاء صراع متعدد الوجوه والأهداف والأطراف!
من الصعب رؤية المشهد الراهن على حقيقته، فالتناقض في التصريحات هو في حد ذاته اختلاف على الاتفاق، وما دامت معظم البنود التي يفترض أنه تم التفاهم حولها قائمة على أساس خطوة مقابل خطوة، أي حسن أداء الجانب الإيراني مقابل حرية الملاحة في مضيق هرمز، والإفراج عن أموال إيران المجمدة ورفع العقوبات عنها، فضلًا عن العمليات المتعلقة ببرنامجها النووي، فذلك يعني أن حبس الأنفاس سيستمر لفترة طويلة.
في كل الأحوال إذا كانت هذه مرحلة أولى لحلول تشمل جميع الجبهات، في الوقت الذي ما زالت إسرائيل تحاول قضم المزيد من أراضي الجنوب اللبناني، بينما تواصل توسيع الاستيطان في الضفة الغربية، وممارسة أقسى أصناف التعذيب والتضييق والتهويد في مدينة القدس، والسؤال ما هو شكل ونوع الهدوء الذي ستناله دول المنطقة من دون إنهاء النزاع الذي يهدد أمنها واستقرارها على مدى سبعة عقود على الأقل؟
لقد شغلتنا هذه الحرب منذ شرارتها التي أُشعلت من غزة عام 2023، وتحمل الأردن من الأعباء أكثر من قدرته، وبالرغم من أنه لم يكن طرفًا في هذا الصراع إلا أنه لم يتخل لحظة عن مسؤولياته السياسية بحكم موقعه وموقفه ومكانته في المنطقة والتوازنات التي تحكمها، ولا عن مسؤولياته القانونية والأخلاقية، فكان جلالة الملك عبدالله الثاني في مقدمة الساعين لوقف نزيف الدم، والدعوة إلى الامتثال للشرعية الدولية لحل النزاعات بقوة القانون الدولي، محذرًا من توسيع الصراع ليشمل الإقليم كله لأنه سيكون بمثابة كارثة حقيقية سيدفع الجميع ثمنها حتمًا، وذلك هو الواقع الذي تعيشه المنطقة حاليًا، ولن تكون نهايته وقف الحرب بين إيران وأميركا وإسرائيل التي تقول سلفًا إنها لن تنسحب من غزة ولا من الأراضي اللبنانية والسورية التي تحتلها حاليًا.
يعرف جلالة الملك بخبرته وحنكته ورؤيته البعيدة أن هذا الصراع أعقد وأعمق من أن يحل في أمد قريب، بل إنه مرشح لما هو أسوأ، وجلالة الملك قال لنا بشكل مباشر لا وقت لدينا للانتظار، وإن أولويتنا الأولى هي الأردن، نحميه وندافع عن مصالحه ونصونه ونضحي في سبيله، فكان جيشنا وأجهزتنا الأمنية بالمرصاد لكل معتد أو طامع، وكان نهجنا الوطني الذي خطه جلالة الملك في أوراقه النقاشية منطلقًا لعمليات التحديث السياسي، والرؤية الاقتصادية والتطوير الإداري، وتمكين المرأة والشباب، من أجل تحويل التحديات إلى فرص، وتعزيز مفهوم الأردن القوي القادر على تحقيق طموحات شعبه، ونصرة أشقائه.
هناك فارق كبير بين أن تشغلنا الأحداث لأنها تهمنا وتؤثر علينا، وبين أن تلهينا عن أولوياتنا وفي المقدمة منها صياغة موقفنا الموحد، والتعبير عنه بكل ما نملكه من قوة وعزيمة واقتدار، ولعلنا بحاجة إلى قدر من التموضع الإيجابي لنخبنا السياسية والحزبية والفكرية والثقافية لتعميق دفاعنا عن مصالح بلدنا العليا، بعيدًا عن الشخصنة والمزايدة، وللحديث بقية.