موفق ملكاوي : الأطفال وثلاثية التسرب المدرسي والعمل والفقر
مادتان صحفيتان نشرتهما "الغد” خلال الفترة الماضية، الأولى في مطلع أيار الماضي للزميلة هبة العيساوي بعنوان "الفقر وتراجع جودة التعليم يدفعان أطفالا لسوق العمل”، والثانية قبل يومين للزميل أحمد التميمي عن دراسة ميدانية تكشف أن 70 % من الأطفال الباعة المتجولين في إربد هم خارج مقاعد الدراسة.
خطورة المادتين تتبدى من ارتباط عمالة الأطفال بالتسرب المدرسي في الأردن، وأنهما تكشفان عن مسار اجتماعي واقتصادي كامل يتشكل ببطء، ويهدد بإعادة إنتاج الفقر جيلا بعد جيل.
بيانات دائرة الإحصاءات العامة تشير إلى تسرب 11,720 طالبا وطالبة من المدارس خلال عام دراسي واحد، فيما تكشف الدراسة الميدانية في إربد أن سبعة من كل عشرة أطفال باعة متجولين أصبحوا خارج التعليم. هذه الأرقام تكشف عن خلل عميق في العلاقة بين الاقتصاد والتعليم والحماية الاجتماعية.
التسرب المدرسي لا يحدث فجأة، وعمالة الأطفال ليست خيارا مفضلا لدى الأسر، لكن ما يحدث هو تراكم طويل من الضغوط الاقتصادية يدفع الأسر إلى إعادة ترتيب أولوياتها، فعندما تتحول معركة تأمين الاحتياجات الأساسية إلى هاجس يومي، يتراجع التعليم على سلم الأولويات، ويصبح الطفل في نظر بعض الأسر مصدرا إضافيا للدخل.
فهم عمالة الأطفال لا يمكن أن يأتي بمعزل عن الفقر، فالمؤشرات المتداولة تتحدث عن ارتفاع الفقر إلى نحو 24 % وفق تقديرات حكومية، بينما ترفعه تقديرات البنك الدولي إلى حدود 35 %، بالتزامن مع بطالة تقارب 21 %. الأخطر أن دائرة الهشاشة الاقتصادية تعدت الفئات الأشد فقرا، وامتدت إلى شرائح واسعة من الطبقة الوسطى التي أصبحت تواجه صعوبة متزايدة في تغطية تكاليف السكن والغذاء والتعليم والصحة.
لكن الفقر وحده لا يفسر الظاهرة، فالمدرسة الحكومية نفسها تواجه تحديات متراكمة تتعلق بالاكتظاظ، ونقص الكوادر، وضعف البيئة التعليمية، وتراجع جودة التعليم في بعض المناطق، ما يسهم بإضعاف قدرة المدرسة على الاحتفاظ بالطلبة، وتتراجع ثقة الأسر بقدرتها على تحسين مستقبل أبنائها. كل هذا يقود إلى تشكل حلقة خطيرة تتمثل في الفقر الذي يؤدي للتسرب، ثم التحول إلى العمل المبكر الذي يحد من فرص اكتساب المهارات والمعرفة، فيكون الناتج جيل أقل قدرة على تحسين أوضاعه الاقتصادية، ما يدخله في عملية متواصلة لإعادة إنتاج الفقر عبر الأجيال.
دراسة إربد الميدانية تظهر أن نحو نصف الأطفال المنقطعين عن الدراسة يعتقدون أن التعليم لم يعد يضمن فرصا اقتصادية أفضل، ما يحول الأزمة الاقتصادية إلى أزمة ثقة بالمدرسة، ويفقدها ميزتها الأكبر كواحدة من أهم أدوات الحراك الاجتماعي ومكافحة الفقر.
الواقع الذي يعيشه الأطفال العاملون يكشف جانبا أكثر قسوة من المشكلة، فهناك 85 % منهم تعرضوا للتنمر أو الإساءات أثناء العمل، و45 % يدخنون السجائر أو الأرجيلة، فيما يفتقر 75 % إلى المهارات الحياتية الأساسية، ويعمل 30 % منهم أكثر من ثماني ساعات يوميا، وبعضهم يحرم نفسه من وجبة غذائية من أجل مساعدة أسرته.
المؤشرات تعني أن الأطفال يغادرون المدرسة والطفولة معا، منتقلين مبكرا إلى عالم المسؤوليات القاسية قبل امتلاك الأدوات النفسية والمعرفية اللازمة للتعامل معها، ما يضعهم في دائرة الخطر، ليصبحوا أكثر عرضة للاستغلال والعنف والتهميش.
معضلة التسرب أنها تنعكس مباشرة على الاقتصاد الوطني وسوق العمل، فالطفل الذي يغادر المدرسة مبكرا غالبا ما يدخل سوق العمل بمهارات محدودة، ويبقى محصورا في الأعمال الأقل إنتاجية والأقل أجرا. ومع الوقت تتشكل قوة عمل أقل تأهيلا، فتنخفض مستويات الإنتاجية، وتتراجع القدرة على المنافسة الاقتصادية. المجتمعات التي ترتفع فيها معدلات التسرب، تواجه عادة مستويات أعلى من الهشاشة الاجتماعية والبطالة والتهميش والإقصاء، ما يجعل التسرب المدرسي مؤشرا مبكرا على اختلالات أعمق داخل المجتمع.
الأرقام التي بين أيدينا تكشف عن اتجاه اجتماعي مقلق قد تصبح كلفته أكبر بكثير خلال السنوات المقبلة، فالقضية تتجاوز حدود الظاهرة الاجتماعية التقليدية لتصبح قضية وطنية بامتياز. كل طفل يغادر المدرسة اليوم يخسر مسار حياة كامل، وكل أسرة تضطر إلى إرسال طفلها إلى العمل تكشف عن خلل يتجاوز حدودها الفردية إلى السياسات الاقتصادية والاجتماعية الأوسع.
الحاجة ملحة اليوم إلى رؤية وطنية شاملة تتعامل مع جذور المشكلة، لتعيد الاعتبار للتعليم الحكومي، وتوسع برامج الحماية الاجتماعية، وتوفر دعما حقيقيا للأسر الأكثر هشاشة، والأهم أن تربط التعليم بفرص اقتصادية حقيقية تعيد الثقة بقيمته وجدواه.