اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

م. . عامر البشير : سَعْيٌ بِلَا وُصُول

م. . عامر البشير : سَعْيٌ بِلَا وُصُول
أخبارنا :  

دورانٌ كثير لا يفضي إلا إلى حيث البدء


يتكرر المشهد ذاته في كل ليلة خميس وجمعة. مئات المركبات، وربما أكثر، تتدفق من خارج منطقة عبدون لتحتشد بين ميدانين على طريق عريض متعدد المسارب، وصفوف طويلة من السيارات تسير ذهاباً وإياباً لساعات تمتد من الغروب حتى ما بعد منتصف الليل.


في إحدى تلك الليالي، بينما كنت أنتظر عند الإشارة، أخذت أراقب السيارات العابرة أمامي، وجوه شابة تملأ المركبات، ضحكات تتنقل بين النوافذ، وموسيقى تتسرب من بعضها إلى الشارع، كان المشهد مألوفاً؛ فقد رأيته عشرات المرات من قبل، لكن سؤالاً مختلفاً راودني هذه المرة: ماذا يبحث هؤلاء حقاً في هذه الرحلة التي تبدأ من ميدان وتنتهي إلى ميدان آخر، ثم تعود إلى النقطة ذاتها؟


لم أجد جواباً واضحاً، لكنني وجدت سؤالاً أكبر: هل أصبحنا نحب الحركة أكثر من الوصول؟ وهل تحول السعي عندنا من وسيلة إلى غاية؟


بين السعي والدوران


لقد خلد التاريخ الإنساني أحد أعظم مشاهد السعي في قصة السيدة هاجر، لم يكن سعيها بين الصفا والمروة استعراضاً للحركة، ولا بحثاً عن التسلية، ولا محاولة لإثبات الحضور أمام الآخرين، بل كان سعياً حقيقياً بين الخوف والرجاء، وبين الحاجة والأمل، وبين الموت والحياة.


كانت تبحث عن قطرة ماء لطفل رضيع يوشك أن يهلك عطشاً في وادٍ مقفر لا ظل فيه ولا زرع، سبعة أشواط صنعت معنى خالداً للإنسانية كلها، ورمزية امتد أثرها عبر الأجيال، لم تكن قيمة ذلك السعي في عدد الخطوات، بل في الغاية التي دفعت إليه.


ولذلك بقي السعي ركناً من أركان الحج والعمرة، لا لأنه حركة جسدية فحسب، بل لأنه يذكر الإنسان بأن الحياة لا تُمنح للساكنين، وأن الفرج قد يولد أحياناً من قلب المحاولة الأخيرة.


لكن المفارقة المؤلمة أن كثيراً من صور السعي المعاصرة فقدت معناها، وبقيت منها الحركة فقط.


زمن الحركة بلا اتجاه


نعيش زمناً يفيض بالحركة ويعاني من قلة الاتجاه، ننتقل بين الشاشات بسرعة مذهلة، لكننا لا نقترب بالضرورة من المعرفة، نملأ أيامنا بالاجتماعات والرسائل والمواعيد، لكننا لا ننجز دائماً ما يستحق الإنجاز، نلهث خلف الأخبار والصور والتعليقات، لكننا لا نضيف شيئاً حقيقياً إلى وعينا أو إلى مجتمعاتنا.


وأعترف أنني لست خارج هذه الظاهرة تماماً، فكم من مرة انشغلت بأعمال واجتماعات واتصالات استهلكت يوماً كاملاً، ثم عدت في نهايته لأكتشف أن ما أنجزته فعلاً أقل بكثير مما ظننته ينجز أثناء انشغالي، عندها أدركت أن الحركة وحدها قد تخدع الإنسان، وأن الشعور بالانشغال ليس دائماً دليلاً على التقدم.


لقد أصبح الإنسان المعاصر مشغولاً أكثر من أي وقت مضى، لكنه ليس بالضرورة أكثر إنتاجاً أو أكثر حكمة.


وما يحدث بين الميدانين في عبدون ليس سوى صورة مصغرة لظاهرة أوسع؛ سيارات تدور في حلقات مفرغة، تماماً كما تدور أفكار كثيرة في حياتنا دون أن تصل إلى نتيجة، ساعات طويلة من الحركة تمنح أصحابها شعوراً مؤقتاً بالمشاركة والانتماء والانجاز، لكنها لا تضيف معرفة، ولا تبني مشروعاً، ولا تخلق قيمة.


كأننا أصبحنا نبحث عن الإحساس بالحياة بدلاً من صناعة الحياة نفسها.


ونرى ذلك أيضاً في سباق المتابعين والإعجابات، حيث يقضي البعض سنوات في بناء حضور رقمي ضخم، ثم يكتشف أن الشهرة ليست بالضرورة إنجازاً، وأن كثرة الظهور لا تعني عمق الأثر، فالأرقام قد تصنع وهجاً عابراً، لكنها لا تصنع قيمة دائمة، تماماً كما أن كثرة الحركة لا تعني بالضرورة الاقتراب من الهدف، فكم من حساب يتابعه مئات الآلاف، بينما لا يترك في الواقع أثراً يوازي أثر معلم مجهول أو باحث يعمل بصمت.


ونرى الأمر ذاته في بعض المؤسسات التي تعقد الاجتماعات المتتالية وتنتج التقارير الكثيرة، بينما تبقى المشكلات نفسها دون حل.


الحضور بدل الأثر


في الأزمنة القديمة كان الإنسان يسافر ليكتشف مدينة، أو يقطع الصحارى طلباً للعلم، أو يغامر في البحار بحثاً عن أفق جديد، أما اليوم فقد أصبح من السهل أن يتحول السعي إلى استهلاك للمشهد لا إلى صناعة له، وإلى حضور في الصورة لا حضور في الواقع.


وهنا تكمن إحدى أخطر أزمات عصرنا: سيادة المظهر على الجوهر، لقد أصبح كثير من الناس يقيسون قيمة التجربة بمدى ظهورها لا بمدى أثرها؛ المهم أن يُرى الإنسان لا أن يتغير أو يغيّر، وأن يشارك لا أن يفهم، وأن يكون جزءاً من المشهد لا جزءاً من الحل.


ولهذا نرى مجتمعات تتحرك كثيراً لكنها تتقدم ببطء، فالمدن لا تتطور بكثرة السيارات في شوارعها، بل بكثرة الأفكار في عقول أهلها، والنهضة لا تُقاس بحجم الضجيج، بل بعمق الإنجاز، والتقدم لا يصنعه الازدحام، بل تصنعه البوصلة.


وهم التقدم


إن أخطر ما يمكن أن يصيب الإنسان أن يعتاد الدوران حتى يظنه تقدماً، فالدائرة تمنح صاحبها إحساساً بالحركة، لكنها لا تنقله إلى مكان جديد.


وكثير من الناس يكتشفون بعد سنوات طويلة أنهم كانوا يتحركون باستمرار، لكنهم لم يتقدموا خطوة واحدة نحو أهدافهم الحقيقية.


ولعل مأساة الإنسان المعاصر ليست أنه توقف عن السعي، بل أنه فقد القدرة على التمييز بين الطريق والغاية، فأصبح يقيس حياته بعدد ما يتحرك، لا بمدى ما يقترب، وبحجم ما يراه الناس منه، لا بحجم ما يصنعه في الواقع.


وهكذا يتحول العمر شيئاً فشيئاً إلى رحلة مزدحمة بالخطوات، فقيرة بالوصول، ولذلك يبقى درس السيدة هاجر أكثر حداثة من كثير من مظاهر الحداثة نفسها.


فالسعي الحقيقي ليس كثرة الحركة، بل وضوح الغاية، وليس عدد الخطوات، بل اتجاهها، وليس أن تمضي الوقت في الطريق، بل أن تعرف لماذا تسلكه.


أما السعي الذي يفقد معناه، فإنه يتحول إلى دوران جميل المظهر، صاخب الإيقاع، لكنه فارغ من المضمون.


الخاتمة


وربما لهذا السبب ما زال ذلك المشهد العابر بين ميداني عبدون يعود إلى ذهني كلما رأيت مظاهر الحركة الكثيرة من حولنا، فالقضية ليست في السيارات، ولا في الطريق، ولا في الميدانين، بل في الإنسان حين ينسى أن يسأل نفسه إلى أين يمضي.


عندها تصبح الميادين كثيرة، والطرق واسعة، والحركة لا تتوقف، لكن الوصول يظل مؤجلاً، فليس كل من يسير ساعياً، وليس كل حركة تقدماً، وليس كل ازدحام حياة.


يبقى الفرق دائماً في البوصلة.


فبين السعي والدوران فرق تصنعه الغاية، ويصنعه الوعي، ويصنعه السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل خطوة:


إلى أين نمضي؟ ولماذا؟


فالدوران يستهلك العمر، أما السعي الحقيقي فيصنع الأثر .





مواضيع قد تهمك