د. محمد عبد الحميد الرمامنة : المشاريع الميكروية... الثروة المعطلة في جغرافيا البطالة.
في كل مجتمع آلاف المهارات والأفكار والمدخرات البسيطة التي تبقى حبيسة الانتظار، لأنها لم تجد البيئة التي تحولها إلى نشاط اقتصادي منتج. ورأس المال المحدود في يد فرد واحد، يتحول عند انتشاره بين آلاف المبادرين إلى قاعدة إنتاجية واسعة قادرة على تحريك الأسواق وخلق فرص العمل وتنمية الاقتصاد المحلي.
تحتل المشاريع الميكروية مكانة متقدمة في الاقتصادات الحديثة، لأنها تمنح الأفراد فرصة تحويل المعرفة والحرفة والخبرة إلى قيمة مضافة. فالحرفي، والمبرمج، والمزارع، وصانع المحتوى، ومنتج الأغذية المنزلية، جميعهم يمتلكون القدرة على الدخول إلى دائرة الإنتاج متى توافرت البيئة التنظيمية التي تستوعب طبيعة هذه المشاريع وتدعم نموها.
وبالرغم من ذلك، يجد كثير من أصحاب المبادرات أنفسهم أمام منظومة من الاشتراطات، الإجراءات والرسوم و تستهلك جزءاً كبيراً من مواردهم المحدودة في المراحل الأولى، وهي المرحلة الأكثر حساسية في عمر أي مشروع. وتؤدي هذه البيئة إلى تأجيل المبادرات أو إلغائها، أو دفعها إلى العمل بعيدا عن الاقتصاد المنظم.
وتشير الخبرات الاقتصادية العالمية إلى أن كثافة المشاريع الصغيرة والمتناهية الصغر ترتبط بارتفاع مرونة الاقتصاد وقدرته على استيعاب العمالة وتدعم الأدلة الدولية هذا التوجه؛ فقد بينت دراسات البنك الدولي أن تبسيط إجراءات تأسيس الأعمال رفع تسجيل المنشآت بنحو 5% في تجارب مثل المكسيك وكولومبيا.
وقد جسدت التجربة الصينية هذا المسار عندما تحولت المبادرات الفردية والمشاريع المحلية إلى قاعدة إنتاجية واسعة أسهمت في التصنيع والتشغيل، وتتجاوز أهمية المشاريع الميكروية حدود تحقيق دخل لصاحبها؛ فهي تمثل نموذجاً لتجميع رؤوس الأموال الصغيرة والمهارات الفردية داخل منظومة إنتاجية واحدة. وعندما تتشكل شبكات شبابية أو تعاونية لتصنيع المنتجات وتسويقها وتبادل الخبرات، تتولد قيمة اقتصادية تفوق بكثير مجموع الإمكانات الفردية، ويتحول العمل الجماعي إلى رافعة للتنمية المحلية.
ومن هنا تتبلور ثقافة اقتصادية جديدة ترى في المبادرة الفردية مدخلاً للإنتاج، وفي التعاون وسيلة لتوسيع الأسواق، وفي المهارة أصلاً اقتصادياً يمكن استثماره.
بيد أن التسهيل التشريعي يظل قاصراً ما لم يُعالج بتمويل مرن؛ إذ يُقدر تقرير فجوة التمويل' الصادر عن مؤسسة التمويل الدولية (IFC) الفجوة التمويلية لهذه المشاريع بـ 5.2 تريليون دولار، مؤكداً حرمان 70% منها ماليًا في الدول النامية بسبب شروط الضمانات التقليدية. إن توفير قنوات تمويل بديلة، هو الوقود الحقيقي لضمان نموها المستدام.
إن مواجهة البطالة والتي تشكل ما نسبته 21% في الأردن تشمل توسيع قاعدة المنتجين داخل المجتمع، وإطلاق الطاقات الكامنة لدى الشباب، فكل مشروع ميكروي ناجح هو نواة لمنشأة أكبر في المستقبل، وكل بيئة تشجع المبادرة تضع لبنة جديدة في بناء اقتصاد أكثر مرونة وقدرة على النمو.