اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

اسماعيل الشريف : ما بعد المساعدات إعادة تشكيل العلاقة

اسماعيل الشريف : ما بعد المساعدات إعادة تشكيل العلاقة
أخبارنا :  

العاقل يغيّر أدواته وتوقيته بما يخدم غايته - ميكافيلي.

بينما كان العالم منشغلًا بردّ الرئيس ترامب على الردّ الإيراني بشأن التوصّل إلى وقفٍ للحرب، واصفًا إيّاه بأنّه «غير مقبول»، كان مجرم الحرب نتن ياهو يجري مقابلة مع شبكة سي بي إس أثارت جدلًا واسعًا، ووجّهت ضربة جديدة لحرية الصحافة الأمريكية، بعدما حدّد بنفسه المُحاوِر والأسئلة. وخلال المقابلة، تحدّث عن ضرورة الاستيلاء على اليورانيوم الإيراني المخصّب، مؤكّدًا أنّ الحرب لم تنتهِ بعد، قبل أن يطلق تصريحًا بالغ الخطورة بقوله إنّ «إسرائيل» تسعى تدريجيًا إلى التخلّص من المساعدات الأمريكية السنوية البالغة 3.8 مليار دولار، وصولًا إلى تصفيرها بالكامل بحلول عام 2038.

توقّفت طويلًا أمام هذا التصريح. وفي اليوم التالي، تابعت الصحف لأرصد أصداءه وتحليلاته، إلا أنّ التغطية الإعلامية جاءت عادية على نحوٍ غريب، إذ تناولت التصريح بعناوين من قبيل: «إسرائيل تستقل»، و»إسرائيل تنضج»، و»إسرائيل لم تعد بحاجة إلى أمريكا».

ويبقى السؤال الأهم: هل يستطيع هذا الكيان المجرم أن يستمر من دون الدعم الأمريكي؟ وهل كان بوسعه الصمود في مواجهة طوفان الأقصى لولا الدعم الغربي، عسكريًا وسياسيًا؟ لقد تحوّل هذا الأمر إلى واحدة من مسلّمات السياسة في منطقتنا، حتى بدا وكأنّ بقاء «إسرائيل» واستمرارها مرتبطان على نحوٍ عضوي بالدعم الغربي غير المحدود.

في عام 2025، أنفق الكيان نحو 90 مليار شيكل على حروبه، فيما ارتفعت نسبة الدين إلى الناتج المحلي إلى قرابة 69 %. وفي خضم هذا الوضع المالي المتأزّم، يعلن مجرم الحرب نتن ياهو عن رصد ميزانية هائلة تُقدَّر بـ 110 مليارات دولار لبناء صناعة عسكرية. وهنا يبرز السؤال المنطقي: هل يُعقل، في ظل هذا الاستنزاف الاقتصادي الهائل، أن تُضَخّ كل هذه المليارات في الصناعات العسكرية؟

إنّ بناء صناعات عسكرية بهذه الميزانية الضخمة لن يكون، حتمًا، مخصّصًا لحروب الكيان وحدها، بل يتجاوز ذلك إلى التصدير للأسواق العالمية. وأفسّر هذا التوجّه باعتباره استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى تحويل الكيان إلى مركز للصناعات العسكرية الأمريكية، عبر إبرام شراكات واتفاقيات مع كبرى شركات السلاح الأمريكية؛ من مشاريع مشتركة مع شركة لوكهيد مارتن، إلى صفقات تطوير مع شركة رايثيون، وعقود توريد مع شركة جنرال دايناميكس.

وهكذا يستمر تدفّق الأموال الأمريكية إلى «إسرائيل» كما كان دائمًا، لكن الفارق أنّ الأمر لن يُقدَّم بوصفه «مساعدات» مباشرة، بل تحت عناوين جديدة مثل «شراكات صناعية»، و«فروع للمصانع»، واستثمارات دفاعية مشتركة.

وتندرج هذه الاستراتيجية ضمن رؤية أوسع؛ فبحلول عام 2038، سيكون الكونغرس الأمريكي مختلفًا جذريًا عمّا هو عليه اليوم. ذلك أنّ حالة الإجماع المؤيّد للكيان، التي هيمنت على الإدارات الأمريكية المتعاقبة منذ عام 1973، بدأت بالفعل تتصدّع، سواء في الانتخابات التمهيدية، أو في استطلاعات الرأي، أو عبر التحوّلات الكبيرة داخل الحزبين، وخصوصًا داخل الحزب الديمقراطي.

ويدرك مجرم الحرب نتن ياهو، واللوبيات الصهيونية في الولايات المتحدة، والساسة الأمريكيون الموالون للكيان، هذه الحقيقة بوضوح. ولذلك، فإنّ الحلّ من وجهة نظرهم يكمن في إعادة تشكيل العلاقة، بحيث تبتعد تدريجيًا عن خضوعها لتقلّبات السياسة، وهيمنة الكونغرس، وضغط الرأي العام الأمريكي.

هذا هو الدعم الأمريكي بصورته الجديدة؛ دعمٌ أكثر خطورة وتعقيدًا. فقد يكون من الممكن التصويت داخل الكونغرس على إلغاء حزمة مساعدات، أو تخفيضها، أو حتى تعطيل صفقة أسلحة، لكنّ أحدًا لن يصوّت ضد «الأعمال التجارية» والاستثمارات الصناعية المشتركة. هنا تحديدًا تكمن الخطة القادمة.


مواضيع قد تهمك