د. خلف الحماد : ثلاث مناسبات وطنية.. وقيم الدولة الأردنية
تكتسب المناسباتُ الوطنيةُ الكبرى قيمتَها من قدرتها على استحضار التاريخ، واستشراف المستقبل في آنٍ واحد. وعندما تتزامنُ ذكرى الجلوس الملكي، وعيدُ الجيش العربي، وذكرى الثورة العربية الكبرى، فإنها تفتح أمام الأردنيين مساحةً واسعة للتأمل في مسيرة وطن استطاع أن يحوّل التحدياتِ إلى فرَص، والثباتَ إلى نهج، والانتماءَ إلى قوة دافعة نحو المستقبل.
في ذكرى الجلوس الملكي، يستحضر الأردنيون مسيرةَ ربعِ قرن من العمل الدؤوب، والقيادة الحكيمة التي رسخت مكانة الأردن دولةً مستقرةً في محيط إقليمي مضطرب. فمنذ تسلّمِ جلالة الملك عبدالله الثاني سلطاتِه الدستوريةَ، مضت المملكة في مشروع وطنيّ متكامل يقوم على تحديث الدولة، وتعزيز سيادة القانون، وتطوير الاقتصاد، وتمكين الشباب والمرأة، إلى جانب المحافظة على الثوابت الوطنية التي شكّلت أساسَ الهُوية الأردنية ومصدرَ قوّتها.
لقد واجه الأردن خلال هذه السنوات تحدياتٍ غيرَ مسبوقة: أزمات إقليمية متلاحقة، وضغوطاٌ اقتصادية متزايدة، وتحولات سياسية عالمية متسارعة، إلا أن الدولة الأردنية أثبتت قدرتَها على الصمود والتكيف، مستندةً إلى قيادة تمتلك رؤيةً واضحة، ومؤسساتٍ راسخة، وشعبًا واعيًا يدرك حجم المسؤولية الوطنية الملقاة على عاتقه.
وفي الوقت ذاته، يأتي عيدُ الجيش العربي ليذكّرنا بأن الأمن والاستقرار اللذين ينعم بهما الأردن لم يكونا نتاج المصادفة، بل ثمرةُ تضحيات متواصلة قدّمها أبطالُ القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي والأجهزة الأمنية، الذين ظلوا على الدوام عنوانًا للفداء والانضباط والالتزام الوطني. فمنذ تأسيس الإمارة وحتى يومنا هذا، بقي الجيش العربيّ مدرسةً في الولاء، والانتماء، وسياجًا يحمي الوطن ومنجزاته، وحاضرًا في ميادين الواجب داخلَ الوطن، وخارجَه بكل كفاءة واقتدار.
أما الثورةُ العربية الكبرى، فإنها تمثل الجذرَ التاريخي للمشروع الهاشمي الذي قامت عليه الدولة الأردنية الحديثة. فهذه الثورة لم تكن مجردَ حركةٍ سياسية أو عسكرية، بل كانت نهضةً فكرية وإنسانية حملت رسالة الحرية والكرامة والوحدة. ومن مبادئها استمد الأردن فلسفتَه السياسية القائمة على الاعتدال، والوسطية، واحترام الإنسان، والدفاع عن قضايا الأمة العادلة.
إن الرابط بين هذه المناسبات الثلاث ليس الزمنَ فحسب، بل منظومةُ القيم التي تجمعها؛ قيم القيادة والمسؤولية والتضحية والوفاء. فالجلوسُ الملكي يجسد استمرارية النهج الهاشمي، وعيدُ الجيش يعبّر عن قوة الدولة ومناعتها، والثورةُ العربية الكبرى تؤكد أصالة الرسالة التي انطلقت قبل أكثرَ من قرن، وما زالت حاضرة في وجدان الأردنيين.
واليوم، ونحن نستحضر هذه المحطاتِ الوطنيةَ المضيئةَ، ندرك تماما أن بناءَ الأوطان لا يُقاس بما تحقَّق من إنجازات فقط، بل بقدرة هذا الوطن الأبيّ على الحفاظ على وحدته وتماسكه في مواجهة المتغيرات. والأردن، بقيادته الهاشمية الواعية الحكيمة، وجيشه المصطفوي الباسل، وشعبه الوفيّ المقدام، يقدم نموذجًا للدولة التي استطاعت أن تحافظ على استقرارها، وأن تمضيَ في مسيرة التحديث بثقة، وعزم رغم كل الظروف.
إن الاحتفاءَ بذكرى الجلوس الملكي، وعيد الجيش، والثورة العربية الكبرى ليس مجرّدَ استذكار لأحداث تاريخية، بل هو تجديد للعهد مع الوطن والقيادة، وتأكيد على أن الأردن سيبقى، كما أراده الهاشميون منذ البدايات، وطنًا للكرامة والإنجاز والاعتدال، وواحةَ أمن واستقرار، وقصةَ نجاح تتواصل فصولها بإرادة أبنائه وإخلاصهم لقيادتهم، ووطنهم.
إن استحضارَ ذكرى الجلوس الملكي، وعيدِ الجيش العربي، وذكرى الثورة العربية الكبرى ليس مجرّدَ وقوفٍ عند محطات تاريخية مضيئة، بل هو تأكيد متجدّد على القيم التي قامت عليها الدولة الأردنية؛ قيم القيادة الهاشمية الحكيمة، والانتماء الصادق، والتضحية من أجل الوطن. وهي قيم أثبتت بكل عزم وثقة عبرَ العقود أنها الركيزةُ الأساسية التي مكّنت الأردنّ من مواجهة التحديات، والحفاظ على استقراره، ومواصلة مسيرته نحو التحديث والإنجاز. وبين إرث الثورة، وعزيمة الجيش، ورؤية القيادة الهاشمية، لا يزال الأردنّ يواصل كتابة فصول جديدة من قصة وطنٍ آمَن بقدرات أبنائه، فكان أنموذجًا يُحتذى في الثبات، والبناء، والاعتدال. ــ الدستور