انقسام أمريكي حول إيران… منتقدون يرون أن ترامب عالق بين التصعيد والفشل في فرض شروطه
بينما تروّج شخصيات جمهورية بارزة لفكرة أن الحرب الأخيرة أضعفت إيران وخلقت فرصة لإعادة تشكيل الشرق الأوسط، يرى منتقدون أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يواجه مأزقًا متزايدًا بعدما أخفقت ضغوطه العسكرية والسياسية في إجبار طهران على الرضوخ لشروطه، في وقت تتسع فيه المعارضة داخل الكونغرس لاستمرار الحرب، وتتعالى الدعوات لتقييد صلاحياته العسكرية.
وكتبت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كوندوليزا رايس في مقال بصحيفة «وول ستريت جورنال» أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران تركت نظامًا «أضعف وأكثر ارتباكًا»، معتبرة أن الضغوط الاقتصادية والعسكرية جعلت القيادة الإيرانية أكثر هشاشة، وفتحت الباب أمام احتمالات حدوث انقسامات داخلية.
لكن هذا التقييم يتناقض مع قراءة أخرى قدّمها الضابط الأمريكي المتقاعد جوناثان سويت والباحث مارك توث، اللذان اعتبرا أن إيران لم تُظهر أي استعداد للتراجع، بل أصبحت أكثر تشددًا وثقة في مواجهة واشنطن.
ويرى الكاتبان أن ترامب يواصل التمسك بفكرة أن إيران تريد إبرام اتفاق مع الولايات المتحدة، رغم أن الوقائع على الأرض تشير إلى العكس، في ظل تنامي نفوذ الحرس الثوري وتراجع دور المؤسسات المدنية داخل النظام الإيراني. وأشارا إلى أن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان اشتكى من استبعاده من دوائر صنع القرار، مؤكدًا أن الفصائل المتشددة أصبحت صاحبة الكلمة العليا، ما يجعل أي اتفاق يحدّ من نفوذ إيران الإقليمي أو برنامجها النووي أمرًا بالغ الصعوبة.
وبحسب المقال، فإن البيت الأبيض أخطأ في تقدير طبيعة النظام الإيراني، إذ واصل السعي إلى اتفاق سياسي في الوقت الذي كانت فيه طهران ترفض الاستجابة للمطالب الأمريكية وتتمسك بشروطها الخاصة.
كما اتهم الكاتبان ترامب بإعطاء الأولوية لتحقيق إنجاز دبلوماسي شخصي، مشيرين إلى أن الرئيس الأمريكي حاول الضغط على إسرائيل لتجنب توسيع عملياتها العسكرية ضد حزب الله، في إطار مساعيه للحفاظ على مسار التفاوض مع إيران وتمديد وقف إطلاق النار.
ويريان أن هذه المقاربة لم تؤد إلا إلى زيادة مطالب طهران، بينما أظهرت الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة الإيرانية الأخيرة ضد أهداف أمريكية وإقليمية أن سياسة الضغوط لم تحقق الردع المطلوب.
وفي حين أشادت رايس بالتقارب الأمني غير المسبوق بين الولايات المتحدة وإسرائيل ودول الخليج، واعتبرت أن المنطقة أصبحت أكثر استقرارًا، يعتقد منتقدو ترامب أن الإدارة الأمريكية ما زالت بعيدة عن تحقيق أهدافها المعلنة، وعلى رأسها إنهاء البرنامج النووي الإيراني، وتقليص نفوذ طهران الإقليمي.
وتضيف هذه الانتقادات أن ترامب يجد نفسه عالقًا بين خيارين صعبين: إما قبول اتفاق لا يحقق الشروط التي أعلنها سابقًا، أو العودة إلى التصعيد العسكري الذي يواجه معارضة داخلية متزايدة في الولايات المتحدة.
وتجلّت هذه المعارضة داخل الكونغرس هذا الأسبوع بعدما أقرّ مجلس النواب قرارًا يهدف إلى تقييد صلاحيات الرئيس العسكرية بشأن الحرب مع إيران. وهاجم ترامب مؤيدي القرار، واصفًا التصويت بأنه «بلا معنى»، ومنددًا بالجمهوريين الذين انضموا إلى الديمقراطيين لدعمه.
وقال ترامب في منشور على منصة «تروث سوشيال»: «أمس، وفي تصويت بلا معنى، صوّت مجلس النواب، بمشاركة أربعة جمهوريين سيئين وجميع الديمقراطيين، للحدّ من صلاحياتي الحربية، وذلك في خضم مفاوضاتي النهائية لإنهاء الحرب مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية».
وصوّت أربعة نواب جمهوريين، هم توماس ماسي، وبراين فيتزباتريك، وتوم باريت، ووارن ديفيدسون، إلى جانب جميع الديمقراطيين الحاضرين وعددهم 211 نائباً، لصالح القرار الذي أُقرّ بأغلبية 215 صوتاً مقابل 208.
ووصف ترامب مؤيدي القرار بأنهم «غير وطنيين»، مكرراً انتقاداته للمشرّعين الذين لم يدعموا الحرب ضد إيران. كما اعتبر أن الديمقراطيين مدفوعون بما سماه «متلازمة كراهية ترامب»، بينما وصف الجمهوريين الأربعة بأنهم «باحثون عن الأضواء» و«يجب أن يشعروا بالخجل من أنفسهم».
ومن المقرر أن ينتقل القرار إلى مجلس الشيوخ للنظر فيه. وكان أربعة أعضاء جمهوريين في المجلس قد انضموا الشهر الماضي إلى معظم الديمقراطيين للتصويت على إحالة مشروع قرار مماثل يتعلق بصلاحيات الحرب إلى المجلس بكامل هيئته، في خطوة تمهّد لإجراء تصويت نهائي عليه.
وقال السيناتور الديمقراطي تيم كين، راعي مشروع القرار، إنه سيواصل الضغط على زملائه في مجلس الشيوخ «لإنهاء هذه الحرب غير الضرورية والمكلفة» عندما يُطرح مشروعه للتصويت مجددًا.
لكن من المتوقع أن يعارض ترامب أي محاولة لإقرار القرار نهائياً. وتؤكد إدارته أن قانون صلاحيات الحرب الصادر عام 1973 غير دستوري. ويمنح هذا القانون الرئيس مهلة 60 يومًا لشنّ عمليات عسكرية من دون موافقة الكونغرس، مع إمكانية تمديدها 30 يومًا إضافية.
وجدد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو هذا الموقف الشهر الماضي، قائلًا إن «قانون صلاحيات الحرب غير دستوري بنسبة 100 في المئة»، مؤكداً أن هذا الرأي تبنّاه جميع الرؤساء الأمريكيين منذ إقرار القانون.
وأضاف روبيو: «حتى عندما كنت عضوًا في مجلس الشيوخ، كنت أقول إن قانون صلاحيات الحرب غير دستوري بالكامل».
وفي الوقت الذي تتواصل فيه المفاوضات بشأن تمديد وقف إطلاق النار وإعادة فتح مضيق هرمز، لا تزال المؤشرات متضاربة بشأن قدرة ترامب على انتزاع اتفاق يحقق ما وعد به، الأمر الذي يثير تساؤلات متزايدة حول ما إذا كانت استراتيجيته تجاه إيران قد أدت بالفعل إلى إضعاف طهران أم أنها كشفت حدود النفوذ الأمريكي في مواجهة نظام يرفض اللعب وفق قواعد واشنطن. ــ القدس العربي