اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

د. دانيلا عدنان القرعان : هل ينجح كأس العالم بإيقاف الحروب ولو مؤقتاً؟

د. دانيلا عدنان القرعان : هل ينجح كأس العالم بإيقاف الحروب ولو مؤقتاً؟
أخبارنا :  

كل أربع سنوات، يتوقف العالم أمام شاشة واحدة تقريباً، تتبدل الأعلام التي اعتادت أن تتقابل في ساحات السياسة إلى أعلام تتنافس في الملاعب، تتحول الهتافات من لغة الخنادق إلى لغة الرياضة، عندها يبرز سؤال قديم متجدد: هل تستطيع مناسبات مباريات كأس العالم أن توقف الحروب؟ الإجابة ليست سهلة، فالتاريخ يخبرنا أن كرة القدم لم تنهِ حرباً كبرى، ولم توقع اتفاق سلام دائماً بين خصوم متنازعين، لكنها في المقابل نجحت مراراً في صنع لحظة إنسانية نادرة وسط ضجيج سياسي وعسكري.

عندما تنطلق صافرة المباراة، يجلس ملايين البشر أمام الحدث نفسه، مهما اختلفت لغاتهم وأديانهم ومواقفهم السياسية، يصبح اللاعب الذي يركض خلف الكرة أكثر حضوراً في أذهان الناس من السياسي الذي يلقي خطاباً نارياً، في هذه اللحظة تحديداً، تنتصر فكرة الحياة على فكرة الصراع، ولو لساعات قليلة.

كأس العالم يذكر الشعوب بأنها تتشابه أكثر مما تختلف، فالجميع يفرح للهدف، ويحزن للخسارة، ويتابع الحلم ذاته، لذلك كثيراً ما تستغل الدول هذه المناسبات لخفض التوتر أو تجنب التصعيد، لأن أنظار العالم تكون متجهة نحو الملعب لا نحو ساحة القتال.

لكن الوجه الآخر للحقيقة يقول إن الرياضة ليست أقوى من المصالح السياسية والعسكرية، فالحرب تنشأ بسبب نزاعات على الأرض أو النفوذ أو الموارد أو الأمن، وهي أسباب لا تستطيع مباراة كرة قدم أن تلغيها، بل إن بعض المباريات قد تتحول أحياناً إلى مناسبة لإشعال المشاعر القومية المتطرفة وزيادة التوتر بين الشعوب إذا أسيء التعامل معها.

مع ذلك، يبقى لكأس العالم دور لا ينبغي الاستهانة به فهو لا يوقف الحروب بالمعنى المباشر، لكنه يذكر الإنسانية بأن هناك بديلاً عن الحرب، ففي الملعب يتنافس الخصوم وفق قواعد متفق عليها، يحسمون النتيجة بالمهارة لا بالسلاح. وربما تكمن الرسالة الأعمق للرياضة هنا بالذات، أن الخلاف يمكن أن يوجد دون أن يتحول إلى دمار.

العالم يحتاج إلى أكثر من بطولة رياضية كي يصنع السلام، لكنه يحتاج أيضاً إلى تلك اللحظات التي يتذكر فيها الناس أنهم بشر قبل أن يكونوا خصوماً، قد لا تستطيع كأس العالم إنهاء الحروب، لكنها قادرة على فتح نافذة صغيرة للهدوء وسط العاصفة، وعلى تذكير الجميع بأن الكرة التي يتنافس عليها اللاعبون أكثر رحمة من الرصاص الذي يتبادلونه في ساحات القتال.

لعل أجمل ما في كأس العالم هذه السنة أنه يمنح البشرية فرصة متكررة لكي تختبر فكرة بسيطة جداً، أن التنافس ممكن من دون كراهية، وأن الفوز يمكن أن يتحقق من دون خراب، وأن العالم ولو لشهر واحد، يستطيع أن يجتمع حول ملعب بدلاً من أن ينقسم حول جبهة، إذن، دعونا ننتظر هذا الموسم لنرى، وكل دعواتنا للنشامى. ــ الدستور


مواضيع قد تهمك