المحامي معن عبد اللطيف العواملة : بين الأصالة والضرورة.. البرمجة الجديدة للقيم
شهد المجتمع الأردني خلال العقود الاخيرة تحولات متسارعة إعادت تشكيل الخارطة القيمية والسلوكية. هذا التحول ليس مجرد انتقال طبيعي بين الأجيال، بل هو إعادة برمجة للمنظومة الأخلاقية والاجتماعية، مدفوعة بضغط عوامل اقتصادية، وتكنولوجية، وديموغرافية.
الحديث في هذا الملف حساس، ولكن المكاشفة ضرورية بعيداً عن البكائيات التقليدية، أو الإنكار غير العلمي لواقع يتشكل بوضوح. التحولات القيمية لا تحدث في فراغ، بل تنبع من موجبات واقعية فرضت نفسها على العقل الجمعي. ومن اهمها الضغط الاقتصادي الحاد الذي حول المجتمع من نمط التكافل المعيشي إلى واقع الفردية. فالبطالة، وغلاء المعيشة، والاغتراب، فرضت على الأسرة الأردنية إعادة ترتيب أولوياتها.
اضافة الى العامل الاقتصادي، كان هناك الانكشاف التكنولوجي والاعلامي من دخول منصات التواصل الاجتماعي وأدوات العولمة الثقافية. بالامس، كانت مصادر صياغة القيم هي الأسرة، والمدرسة، والعائلة الممتدة، والتلفزيون الرسمي، والمسجد، والحي. اما اليوم، فتتولى وسائل التواصل العالمية عرض نماذج سلوكية تتمحور حول الاستهلاك السريع، والنجاح الفردي، مما أضعف أدوات الضبط الاجتماعي التقليدية. ومع ازدياد نسب الاغتراب خارج البلد، تم تعزيز انماط حياة فرضت واقعا جديدا.
ادت العوامل السابقة الى التراجع في التكافل المجتمعي وتعميق التفرد. ورغم بقاء المظاهر الاحتفالية أو التضامنية في الظروف الاجتماعية الاستثنائية، كالافراح والاتراح، إلا أن السلوك اليومي بات أكثر ميلاً للانعزال، وارتفعت وتيرة الخصومات المالية والقانونية بين الأقارب. وكذلك، فقد أفرز التناقض بين التطلعات الفردية المتزايدة، والواقع الاقتصادي المحدود حالة من الإحباط النسبي تمت ترجمته سلوكياً على شكل حدة في التعامل اليومي، وازدياد التنمر اللفظي والجسدي.
واليوم يظهر السلوك الاجتماعي فجوة واضحة بين القيم المعلنة والممارسات الفعلية. نجد تمسكا حادا بالخطاب المحافظ في الفضاء العام، يقابله سلوك استهلاكي، وانفتاحي، يتجاوز المنظومة التقليدية في المجال الخاص. ادت هذه الهوة القيمية الى تراجع الاستقرار النفسي والمجتمعي. يفرض علينا ذلك اعادة برمجة جذريّة للسياسات العامة الحكومية لان ما سبق يضع عبئاً مضاعفاً على شبكات الأمان الحكومية من تأمين صحي، وضمان اجتماعي، ومعونات وطنية، وغيرها الكثير من برامج الدعم النفسي والمالي، التي يجب أن تتسع لتملأ الفراغ الذي سببته هذه التحولات. وهنا ايضا يزداد الضغط على ادوات الضبط القانوني بدلاً من المجتمعي حيث تصبح سيادة القانون هي الصمام شبه الوحيد لمعالجة السلوكيات غير المرغوبة.
علينا مناقشة هذه التحولات الكبيرة بجرأة وعلمية. اذ لا بد من تعزيز قيم الإنتاجية مقابل الاستهلاك لان مواجهة الضغط الاقتصادي يتطلب ثقافة مجتمعية تحترم العمل المهني والتقني، وتنبذ المظاهر والديون الاستهلاكية التي تكبل العائلات. ومن الواجب ايضا العمل على تحويل استخدام الفضاء الرقمي من منصات للشكوى والسلبية إلى أدوات للتمكين الاقتصادي والمعرفي، ولدعم المبادرات الإيجابية. وهنا يصبح لزاما علينا تطوير المناهج التعليمية والخطاب الوعظي للانتقال من التلقين والمثالية الى مهارات التفكير النقدي، وإدارة الاختلافات، وتعزيز قيم الإنتاجية والمواطنة.
نعن نعيش ولادة نمط مجتمعي جديد يتلمس طريقه بين أصالة تاريخية صلبة وضرورات عالمية متشابكة. هذه المرحلة تحتاج الى شجاعة المواجهة وحكمة الإدارة. علماء النفس والفلسفة والاجتماع والاقتصاد مدعوون للاستنفار الفوري تحت مظلات رسمية.